تاريخ النشر: 2021-08-11 | 12:07
تاريخ النشر: 2021-08-11 | 12:07
من المفيد اعادة التذكير بان المشروع الصهيوني مشروع استعماري غربي ياتي في سياق الصراع الحضاري الطويل الممتد من محاكم التفتيش والحملات الصليبية على المشرق والمغرب العربيين.. ومن المهم التأكيد على ان اقامة الكيان الصهيوني على ارض فلسطين تقع في جوهر المشروع الاستعماري لتحقيق اهدافه الاستراتيجية وذلك على عاتق كل دول الشمال ا"لشرقي والغربي " في اطار حسم المعركة مع الكتلة الثالثة وانهاء احتمال نهوضها الحضاري ،ومن هنا بالضبط تأتي تعقيدات القضية الفلسطينية واستعصائها على الحل بعد اكثر من قرن من الزمان.
وذلك لارتباطها بالتجزئة والتخلف والتبعية والهيمنة الاستعمارية على ثروات المنطقة والسيطرة على الممرات المائية. . وهنا من الضروري ادراك طبيعة تفكير العقل الغربي وتطوراته والمراحل التي يمر فيها ، كما انه من الضروري ادراك التحولات العميقة والحقيقية في تركيبة النظام الدولي نتيجة التحديات التي يواجهها في عالمنا الاسلامي ووطننا العربي او على مستوى التحديات الدولية وازمات التظام الرأسمالي.. على ارضية هذا كله نتفحص المواقف الغربية تجاه القضية الفلسطينية على ضوء المواجهة الاخيرة بين الشعب الفلسطيني والكيان الصهيوني..
الجديد في معركة سيف القدس رمزية توحد الكفاح الفلسطيني باجزائه الاربعة القدس والقطاع والداخل والمهاجر وهنا يجب التنويه ان هذه الاجزاء لم يتسن لها قبل الان ان تتوحد في نهوض مشترك من مواقعها بعناوين متكاملة.. فلقد حقق نهوض المقاومة في غزة ازاء مايجري في القدس نقلة نوعية لاداء المقاومة سياسيا كما ان نهوض الشتات كان تجسيدا متميزا لاحياء قضية العودة وكذلك كان نهوض الداخل الفلسطيني تكريسا للوجود على الارض الفلسطينية والتصدي للغيتو الصهيوني..
لن اواصل في شرح طبيعة معركة سيف القدس ولكن بمقدار ما تلقي اثارها على الموقف الدولي حيث يكتشف العالم بان الشعب الفلسطيني يواجه اشكال معاناة متراكبة فهو يقصف ويدمر في غزة وتنتهك مقدساته في القدس ويخنق في الداخل ويعيش القهر في الشتات.. دفعة واحدة تقدمت القضية الفلسطينية للراي العام الدولي وهذا جديد تماما في سياق الصراع مع الكيان الصهيوني.
نحن هنا نتكلم عن دول ومؤسسات ونظام سياسي واعلامي ونخب شاركت جميعا في صناعة الكيان الصهيوني حيث اصبح الحديث بما يسوءه تهمة ارهاب يلاحق مقترفها بالسجن كما حصل مع كثيرين من اصحاب الراي الفرنسيين ومنهم بالمناسبة شهصيات يهودية.. وظل الحديث عن القضية الفلسطينية حبيس المنتديات والمقالات في اخسن الاحوال وكان كل من يعرف بمساندته لفلسطين يقع في دائرة المتابعة الامنية والقانونية.
لعله مهم هنا الاشارة الى ممارسات انصار المشروع الصهيوني طيلة عشرات السنين ولقد قدم العديد من الفلسطينيين الناشطين والعرب والمسلمين المساندين للقضية ارواحهم وحرق بيوتهم وطردهم من اعمالهم والتضييق عليهم وكانت العواصم الاوربية عناوين للاغتيالات لقادة فلسطينيين كل تهمتهم التواصل مع ابناء البلد ومحاولة توضيح المظلمة الفلسطينية.
نقلة بعيدة التي وصل اليها الوضع الدولي على المستوى الرسمي والشعبي وهذا نتيجة تراكم النضال الفلسطيني ونتيجة مباشرة للاعلام والصورة التي خدمت القضية الفلسطينية كثيرا بحيث اصبح الراي العام في اوروبا في اتجاهه الاغلب يؤكد بان الكيان الصهيوني هو المتسبب الاخطر في عدم استقرار الامن العالمي وفي الحين نفسه نرى تصاعد التأييد للحق الفلسطيني من خلال مؤسسات اوربية وامريكية وازنة كنقابة الاكاديميين الانجليز الذين اتخذوا قرارا بمقاطعة الجامعات والاكاديميين الصهاينة في حال تورطهم مع الاستيطان والمواقف العنصرية تجاه الفلسطينيين.. ولقد وصل الامر الى ان تتشكل لوبيات امريكية في الكونجرس تطالب بوقف المساعدات الى اسرائيل او تقييدها والتأكد انها لا تذهب لقتل الفلسطينيين.
بلاشك هذه النقلة مرت بمراحل عديدة عبر عشرات السنين ويمكن القول ان الراي العام الغربي وصل الى موقف لايمكن التراجع عنه وهو ضرورة الالتفات الى الشعب الفلسطيني ورفع الظلم عنه واقامة دولة مستقلة له وحل مشكلاته الناتجة عن النكبة وفي الوقت نفسه ضرورة ردع العدوان الصهيوني ووصمه بمرتكبي جرائم حرب.
معركة سيف القدس تأتي اهميتها بالاضافة لما سبق من كونها قطعت الصمت وجددت في الحس الغربي تصميم الشعب الفلسطيني كله على مواصلة كفاحه لنيل حقوقه وان كل محاولات التشويش على ذلك لن يجدي نفعا فلقد فشلت عمليات التسويق لامكانيات حل وهمي كما فشلت صفقة القرن وظهر عوارها للراي العام الدولي وانها عملية هروب في الوهم.. جاءت معركة سيف القدس بكل الشعب الفلسطيني لتقول هذا هو الجواب الحقيقي على سؤال ماهو الحل؟
بين الموقف المتماهي مع الكياني الصهيوني في عقوده الاولي والموقف الحالي لابد من التأكيد على اهمية دور نشطاء عرب وفلسطينيين واوربيين تكتلوا في نقابات او منظمات للدفاع عن الشعب الفلسطيني ومقاطعة السلع القادمة من المستوطنات ومطاردة قادة الحرب الاسرائيليين المتورطين في جرائم حرب ووضع اسمائهم على قوائم الانتظار في المطارات بمعنى واضح ان الانحياز لم يعد قائما بالكيفية العمياء السابقة وان هناك تبلورا لموقف رسمي وشعبي
لقد كان من الضروري الاشارة لكل ما سبق لكي نتفهم طبيعة التفاعل الحاصل في الشارع والمؤسسة الغربية.. ولعله من المهم التاكيد في كل لحظة وبين كل جملة واختها على الدور الاساس في هذا كله انه صمود الشعب الفلسطيني ومواصلته كفاحه واصراره على كشف زيف المبادرات والحلول الوهمية..
انعكسات معركة القدس على الراي العام الرسمي والشعبي:
في اوروبا الغربية والامريكتين واستراليا كان واضحا ان معركة القدس قد حققت انجازا كبير وقد تمكنت من حصاد تفاعلات المواقف السابقة وجهود الجميع بحيث اصبحت وعلى مدار اسابيع واشهر الحدث الذي يحرك الشوارع في كل عواصم ومدن اوربا حيث لم تتوقف المظاهرات في شوارع باريس وفرانكفورت ولندن وبروكسل وامستردام ومدريد بل في كل المدن الاوربية حيث يتدفق الساسة والمثقفون والشعب للتنديد بالممارسات الصهيونية واعلان الانحياز للشعب الفلسطيني
ولقد تقدمت الاحزاب الاوربية خطوات في تثبيت الموقف الجديد فلقد اصبح الكسان الصهيوني منبوذا وعنصريا في حس تيار واسع من الاوربيين وصل الى درجة ان يطالب اعضاء في البرلمان البلديكي بطرد السفير الاسرائيلي.. وكما سبق فان المظاهرات في الولايات المتحدة في واشنطن وكل المدن الامريكية شكل ضغطا حقيقيا على الساسة الامريكان فلاول مرة تضطر المؤسسة الامريكية الى الالتقاء بممثلي الجالية الفلسطينية وطمأنتها ان العدوان سيتوقف وان حلا مناسبا سيكون في حين واصل عشرات الاعضاء في الكونجرس ضغطهم على صانع القرار الامريكي.
ان تأمل ما حصل في العواصم والمدن الامريكية والاوربية يكشف عناصر في غاية الدقة ينبغي البناء عليها وهنا من المفيد الاشارة الى ان معظم حالات الاستعمار في وطننا العربي وافريقيا يتقرر مصيرها النهائي في العواصم الاوربية فلقد تقرر نهاية استعمار فيتنام في واشنطن وليس في هانوي كما تقرر انهاء الميز العنصري الجنوبافريقي في لندن وليس في جوانسبورج.. اي عندما اصبحت تكلفة الاستعمار الاخلاقية والمادية والسياسية باهضة على الشعوب الغربية حينها كان لابد من الاستجابة للتغيير العميق في توجهات الدول وجيوشها..
ولذا فمن المؤكد ان الكيان الصهيوني مغلق بمفاتيح في العواصم الاوربية ومهما حاول اظهار استقلاليته وقدرته على الحياة بدون الغرب بايجاد بدائل له ومواقع قوة كما فعل مؤخرا في تحالفاته مع دول الخليج الا انه يدرك تماما ان مصيره معلق بيد الغرب، والغرب تحكمه عدة عناصر وشروط في صياغة موقفه..
كيف استطاعت معركة القدس فتح صفحة جديدة ومرحلة لها مابعدها؟ هذا السؤال تأتي اهميته في اطار البحث عن ضرورة تصعيد الموقف الغربي لصالح قضية الشعب الفلسطينية ولو بالحدود الدنيا.. ورغم ان الموقف الامريكي هو الاكثر تشددا وتنطعا في الانحياز للعدوان الصهيوني على الشعب الفلسطيني الا اننا يجب ان لايصيبنا الغرور وتأخذنا الدهشة فنعتقد ان الاوربيين سيحاربون معنا ضد العدوان الصهيوني ولكن بلا شك عند تطور كفاح شعبنا وبادوات انسانية اي بالدفاع عن النفس والتزام شروط الحرب الى ابعد حد وباظهار التصميم على رفض التمويه والحلول البائسة واظهار صفحات مشرقة من كفاحنا الثقافي والادبي والفني كل ذلك كعناوين كفاح سيجد سبيله الى تراجع جديد في الموقف الغربي عن دعمه للكيان الصهيوني.
نستطيع التأكيد أن هبة أهل الداخل الفلسطيني في معركة سيف القدس كانت العنصر المفاجيء والذي اعاد الرواية الفلسطينية الى اصولها وهي مادة مهمة للاعلام الفلسطيني والنشاط السياسي والثقافي الفلسطيني الذي سيجد له في مستويات عديدة في الغرب الاثر البالغ وكما هو واضح بمقدار تجلي القضية الفلسطينية على حقيقتها وطبيعتها تكسب انصار حقيقيين وبمقدار التمويه والتبعيض والوهن ومؤانسة الاحتلال تفقد القضية الفلسطينية انصارها وتخبو نارها في الضمير الانساني.
الوقوف في منتصف الطريق هزيمة مضاعفة.. صحيح ان الاوربيين لن يأتوا مدافعين عن حقوقنا وان كان منهم من يخوض حربا حقيقة ضد اللوبيات الصهيونية في اوربا وامريكا لكن بالتأكيد سيكون لمواصلة الكفاح واعلاء صوته من حين الى اخر وتفعيل الجهد الفلسطيني كله كاستراتيجية سينقل الموقف الاوربي الرسمي والشعبي الى مستوى في غاية الاهمية وهنا ينبغي النظر الى ان التفاعل الاوربي الرسمي ياخذ بعين الاهمية تفاعل الشعوب العربية والاسلامية مع القضية الفلسطينية وكفاحها.. فلقد كان للعواصم العربية دور مساند بشكل لافت لاسيما في دول اراد حكامها التطبيع مع الكيان الصهيوني وهذا يرسل رسائل مهمة لصانع القرار الاوربي..
ولعل للجاليات العربية والاسلامية في الغرب دورها الحقيقي والتلقائي في ايصال المظلومية الفلسطينية للراي العام الاوربي فلقد كانت مظاهرات المدن الاوربية مظاهرات انسانية من طراز فريد اجتمع فيها العربي والتركي والاسيوي بجانب الافريقي والاوربي ولقد شاهدنا في مسيرات اوربا مظاهر تضج بالانسانية والتفاعل مع فلسطين.
لعله من الواضح طيلة ايام معركة القدس ان المواقف الرسمية الغربية اخذت في التطور لصالح كفاح فلسطين ولئن بدأ بعضها في خانة الانحياز للعدوان ومنحه مشروعية الا انه انتهى موقف الجميع بالتنديد بالجرائم والمطالبة بوقف العدوان.. ومن الملفت حقا ان هذه المدن الاوربية نسيت ازماتها ومطالبها النقابية طيلة ايام معركة سيف القدس وتفرغت في اسناد الشعب الفلسطيني ومن الملفت ايضا والمدهش ان انصار الكيان الصهيوني من اعلاميين وسياسيين واحزاب عجزوا عن مواجهة الحراك الشعبي المتصاعد في اوربا لصالح فلسطين فلم نشاهد مظاهرة ذا وزن في اي مدينة اوربية تساند العدوان.
لايغفل احد عن التوقيت والظروف الدولية التي واكبت عملية سيف القدس الامر يعني بوضوح ان محاولة اوربية رسمية تتحرك لاحتواء الغضب وتقديم حلول انسانية او شبه سياسية متحللة من فظاظة الانحياو السابق لكنها لن تستطيع ايقاف التفاعل الشعبي الغربي مع قضية فلسطين بشرط ان يستمر كفاح الشعب الفلسطيني الى الدرجة التي يمعن فيها لايقاظ الضمير الانساني في الغرب وهذا امر ليس بمستحيل..
ان اهمية الحديث عن اثار كفاح الشعب الفلسطيني على الراي العام الغربي انه يسلط الضوء على منطقة صناعة القرار الغربي.. وهنا نكتشف كم هي واهية كل محاولات تجميد الكفاح الفلسطيني ومضرة بمصير القضية الفلسطينية