تكشف الحرب الجارية أن التفوق العسكري الأميركي لا يساوي بالضرورة قدرة سياسية على فرض نهاية واضحة. فواشنطن تستطيع توجيه ضربات مؤلمة، وتحريك أساطيلها، ورفع كلفة المواجهة، لكنها لم تنجح حتى الآن في تحويل هذه القوة إلى تسوية مستقرة أو إلى تغيير في سلوك نظام الملالي. وفي المقابل، لا يملك النظام طريقاً إلى النصر، بل يراهن على إطالة الأزمة، ورفع أثمانها، وتحويل مأزقه الداخلي إلى أزمة دولية يتقاسم الآخرون كلفتها.
النقاش الذي تعكسه معالجات «دنياي اقتصاد» و«ابتكار» و«جوان» و«وطن امروز» يكشف أن الإدارة الأميركية محاصرة بين خيارات سيئة. فالضربات المحدودة لا تضمن فتح مضيق هرمز ولا إنهاء التهديدات البحرية، بينما يحمل توسيع الحرب خطر الانزلاق إلى مواجهة طويلة تشمل القوات والقواعد والملاحة وأسواق الطاقة. أما التدخل البري، إن طُرح، فسيعني الدخول في مغامرة لا يمكن تقدير حجمها أو زمنها أو تداعياتها الإقليمية.
هذا المأزق هو ما يحاول النظام استثماره. فالإعلام القريب من السلطة يقدم كل تردد أميركي بوصفه انتصاراً، ويحوّل إعادة الانتشار أو البحث عن وساطة إلى دليل على انهيار الخصم. غير أن هذا الخطاب التعبوي يخفي حقيقة أن النظام نفسه يطلب الهدنة، ويخشى أن تتحول الحرب إلى عامل يسرّع تفككه الداخلي.
فهو يدرك أن واشنطن تخشى حرباً مفتوحة، ولذلك يرفع سقف التهديد، ويوظف الممرات البحرية والميليشيات التابعة له لإقناع خصومه بأن أي تصعيد سيخرج عن السيطرة. لكنه يفعل ذلك من موقع الضعف لا القوة. فالنظام لا يملك مشروعاً لإنهاء الأزمة، وإنما يملك أدوات لتعطيل الحل، وإجبار الآخرين على التعامل معه بوصفه شريكاً لا يمكن تجاوزه.
وتظهر تحولات الخطاب الأميركي، من التهديد بضربات أوسع إلى الحديث عن التعويضات والأصول المجمدة والرسوم البحرية، أن واشنطن نفسها تبحث عن بدائل أقل كلفة. غير أن تقليص المخاطر العسكرية لا يكفي ما دامت السياسة تنطلق من فرضية أن النظام يمكن ردعه أو تعديل سلوكه عبر مزيج من الضغط والمساومة. أربعة عقود من التجربة أظهرت أن كل مهلة يحصل عليها النظام تتحول إلى فرصة لإعادة بناء أدوات القمع والتدخل والابتزاز.
في الداخل، يحتاج نظام الملالي إلى استمرار صورة المواجهة أكثر مما يحتاج إلى تحقيق نصر حقيقي. فالحرب تمنحه ذريعة لتبرير الانهيار الاقتصادي، وتشديد القبضة الأمنية، وتخوين الاحتجاجات، وتحويل غضب المجتمع بعيداً عن أصل الأزمة. ولهذا فإن إطالة الصراع الخارجي تخدمه بقدر ما تؤجل لحظة المحاسبة الداخلية.
لكن هذه المعادلة ليست مضمونة. فكل يوم من الحرب يستهلك مزيداً من الموارد، ويعمق التناقضات داخل السلطة، ويزيد المسافة بين المجتمع والنظام. وفي هذا الفراغ تتحرك المقاومة الإيرانية المنظمة ووحدات المقاومة، لا بوصفها طرفاً خارجياً في الحرب، بل باعتبارها القوة التي تربط بين الكارثة الإقليمية وطبيعة الحكم القائم، وتؤكد أن إنهاء الحروب يبدأ بإنهاء مصدرها.
المأزق الأميركي الحقيقي ليس غياب القوة، بل غياب الاستراتيجية التي تميز بين الضغط على النظام ودعم الشعب الإيراني. أما رهان النظام على استنزاف خصومه وشراء الوقت، فلن يحل أزمته الوجودية. فالمعادلة التي يخشاها الطرفان معاً ليست ضربة عسكرية جديدة، بل انتقال مركز الثقل من صفقات الدول إلى انتفاضة المجتمع ومقاومته المنظمة، حيث يصبح مصير النظام قراراً إيرانياً لا تسوية دولية.