تاريخ النشر: 2020-12-19 | 16:14
تاريخ النشر: 2020-12-19 | 16:14
لا يمكن الغوص في دراسة الظواهر والتحديات الاقتصادية بمعزل عن السياسة ومعطياتها وسياقاتها ودينامياتها المختلفة، وكذلك العكس هو الصحيح، وقد تجسدت هذه المقولة أكثر وأكثر عند الحديث عن الشان الفلسطيني الذي يسعى لبناء مشروع وطني تحرري مقاوم، يجسد واقعاً مغايراً للحالة التي تخضع فيها مقدرات الشعب الفلسطيني للاحتلال.
منذ زمن، نجحت الحكومات الإسرائيلية اليمينية في استعمال النيوليبرالية كأداة لإعادة بناء العلاقات داخل المجتمع في إسرائيل، وفق الصيغة التي تديم وتقوي وتعزز حكم اليمين الصهيوني، أيضًا، نجحت في استخدمتها كأداة لتثبيت وإدامة الاحتلال للأراضي الفلسطينية، وبناءً على ذلك، يقول الباحث "جيرمي ويلدمان" إن البرنامج النيوليبرالي الذي اعتمدته الدول المانحة في ميدان التنمية في الأرض الفلسطينية المحتلة كان، في حقيقة الأمر، يُلحِق الضرر بالفلسطينيين من خلال إسهامه في إرساء دعائم الاستعمار .
ويرى إن الهيكلية التي وضعها البنك الدولي لدولة فلسطينية تشبه نفس الوصفة التي اقترحها لجميع الدول، فجميع النماذج الأخرى التي كان البنك الدولي قد أعدّها لدول العالم النامي خلال حقبة التسعينيات من القرن الماضي، قد ركّزت على نفس القيم المعيارية الرئيسية، التي استرشد بها البنك الدولي، وفي الحالة الفلسطينية اقترح نظام الأسواق المفتوحة، والاندماج الاقتصادي مع إسرائيل، والاندماج في الاقتصاد الإقليمي، والتحرُّر المالي، والحكم الرشيد، والديمقراطية أي أن يقوم النظام الاقتصادي الفلسطيني على أساس مبادئ الاقتصاد الحر )النيوليبرالي). ويؤكد "ويلدمان" أن عملية أوسلو لم تزد في أكثر صورها المتفائلة، عن أن تقدّم للفلسطينيين غير المزيد من الاحتلال الاستعماري، الذي غُلفِّ في غلاف الليبرالية وظهر في مظهرها، وأنه لم يكن العنصر الليبرالي التعاوني الذي شملته هذه العملية يُقصد به أن يكون وجهًا من وجوه الترابط بين طرفين متساويين على الإطلاق، بل كان يرمي إلى تأسيس اعتماد متبادل لا يقوم على المساواة، بحيث تحتفظ إسرائيل، ضمن هذه المنظومة، برجحان كفة قوتها على كفة الفلسطينيين.
وبحسب ذلك، فقد تمثلت النتيجة أن الدول المانحة ساعدت على إضفاء طابع رسمي على العلاقة الاستعمارية غير المتكافئة من خلال حملهم لواء الاتفاقيات، من قبيل بروتوكول باريس الذي أفضى إلى توطيد أركان العلاقة التي تفتقر إلى التكافؤ على نحو صارخ بين إسرائيل والفلسطينيين، وقنَّنها، وقد رسّخ هذا الوضع الترتيبات التجارية التي انعدمت المساواة فيها إلى حد كبير، مما أفضى إلى إعادة اختراع غزو الأرض الفلسطينية المحتلة وتقديمه في صورة اتحاد شامل وإخفاء الاحتلال العسكري ذي النزعة التدميرية في اللغة الليبرالية التي واكبت بناء السلام.
وقد منح هذا الوضع الاحتلال صفة شرعية جديدة وأتاح لإسرائيل أن تبسُط سيطرتها التامة على الفلسطينيين وعلى اقتصادهم في الأرض الفلسطينية المحتلة. ولم يغير هذا الوضع شيئًا من مصفوفة السيطرة الاستعمارية الاستيطانية التي تمارسها إسرائيل على الأرض الفلسطينية المحتلة، حيث بقيت هذه المصفوفة – حتى مع التعديل الذي طرأ على تكتيكاتها مع مرور الوقت – ثابتة، بجملة واحدة: كانت هذه الاتفاقية تمثل حيلة سياسية كان الغرض منها إحلال الاقتصاد محل السلام.
وبناء على ذلك، اختار المانحون أن يتجاهلوا السياق التاريخي، الفعلي الذي يأتي النزاع الإسرائيلي-الفلسطيني فيه، وفي هذه الأثناء، اغتصب هؤلاء المانحون من الفلسطينيين قيادة دفة عملية التنمية التي تخصّهم وحقهم في تقرير هيكلية مؤسساتهم وبنيتها، وكل ذلك في وقت عمدوا فيه إلى تفضيل إسرائيل على الفلسطينيين في هذا النزاع، وقد فعل نموذج التنمية الذي اجترحته أوسلو ذلك بحذافيره، وغدا النظام الاستعماري الذي تطبقه إسرائيل في هذا الوقت راسخ الجذور، ويكبّد الفلسطينيين تكلفة اجتماعية ورأسمالية لا قِبل لهم بها، وبهذه الطريقة، يعمل التوجه النيوليبرالي الذي اعتمده المانحون بالتساوق والتناغم مع الاستعمار الاستيطاني الذي تنفذه حليفتهم إسرائيل على حساب الفلسطينيين.
وبالتالي، فقد أفرزت هذه الحالة تحولات جذرية في الوعي الجمعي وفي بنية الحركة الوطنية الفلسطينية ووظائفها؛ فتحولت من حركة تسعى لبناء كيان سياسي مستقل على كامل أراضي فلسطين التاريخية 1948، إلى بناء كيان سياسي على حدود 1967، إلى سلطة حكم ذاتي مقيدة بشروط الاحتلال واعتباراته الأمنية التي لا حدود لها، وقد جاءت اتفاقية أوسلو ومرفقاتها والأهم فيها برتوكول باريس، تجسيد لحالة هذه التحولات التي شهدتها الحركة الوطنية الفلسطينية في سلم تراجعاتها في مسيرة مشروعها التحرري.
من هنا، فإن بناء مشروع وطني تحرري فاعل وقادر على تحقيق أهدافه والصمود في مواجهة تحديات الاحتلال وسياساته الاستيطانية، وفكره النيوليبرالي يتطلب بناء قاعدة اقتصادية مثينة ترسخ عوامل صموده وتعزز فرص نجاح أي خطوات سياسية تحررية في مواجهة أي إجراءات يمكن أن ينفذها الاحتلال لتفتيت فرص الفلسطينيين بالصمود على أرضهم ووطنهم. فالحالة الفلسطينية هي حالة إنسيابية وربما يمكن وصفها بالهلامية، نظراً لتأثرها بمتغيرات البيئات المختلفة سواء بيئتها الداخلية التي في كثير من الأحيان يشكل الاحتلال معالمها ، أو بيئتها العربية التي تخضع لأمزجة قادة النظام العربي أو البيئة الدولية والتي في الغالب هي بيئة تربطها علاقات استراتيجية مع دولة الاحتلال وبنفس السياق متفهمة أخلاقياً لوجود كيانية فلسطينية مستقلة دون العمل الفعلي لتحويل هذا التفهم لآليات عمل.
أزمة المقاصة خلال الشهور الماضية، نموذج لحالة التبعية الاقتصادية ولمدى التشابك ما بين الاقتصادي والسياسي، وللنيوليبرالية الإسرائيلية، حيث ضمنت إسرائيل من خلالها مأسسة حالة التبعية هذه عبر إلزام السلطة الفلسطينية بإتباع السياسات التجارية والتعريفية الإسرائيلية، وهي أزمة قابلة للتكرار أمام إصرار إسرائيل بعدم الالتزام بكل الاتفاقات الناظمة للعلاقة بين الطرفين، فلا زالت عند موقفها لخصم مخصصات الأسرى، وهي بذلك وضعت السلطة الفلسطينية أمام تحدي ليس فقط اقتصادي ومادي وإنما تحدي أخلاقي فيما يتعلق برواتب الأسرى والمحررين الذين أفنوا أعمارهم وعائلاتهم وربما وجودهم الإنساني من أجل الانتصار لقضية شعبهم وحقوقه.
تحدي أخر يتعلق بقدرة السلطة على البقاء والاستمرارية في ظل تراجع وإنقطاع كل أنواع المساعدات التي تم توظيفها في خدمة إعادة هيكلة وإدامة الاحتلال، وهي تشكل رافد مهم من إيرادات السلطة، ويبقى السؤال الأهم بشأن قدرة الحكومة على الاستمرار ماليا في ظل الوضع القائم خاصة في ضوء التجاذبات السياسية في المنطقة، وأزمة كورونا والشح في مساعدات المانحين الذين ربطوا مساعداتهم بسلام يحقق لإسرائيل موبتغاها ويعزز هيمنتها، ومدى توفر الخطط للتعامل مع هذا الواقع أو فرص العودة للشعب ووضعه أمام مسؤولياته، ليقرر مصيره ومستقبله في ظل نوايا الاحتلال وأهداف المانحين.