تاريخ النشر: 2015-11-05 | 12:09
تاريخ النشر: 2015-11-05 | 12:09
لعل المتابع والمستقرء الجيد لطبيعة ومفردات الواقع الفلسطيني , يستطيع أن يدرك بسهولة بأن التركيبة الاجتماعية والذهانية النفسية والطبيعة المزاجية للشعب الفلسطيني تفرض حالة من عدم الخمول الطويل والاستسلام لوقائع محددة , ولا سيما أن حاولت قوى داخلية أو قوى خارجية فرضها كسياسة أمر واقع فهنا يبدأ التحرك ضد هذا الظلم بمجهود فردي وعفوي أولاً , وتتفاعل مع هذه الحالة الأطر القريبة من ثم يبدأ التفاعل الشعبي والعفوي في كل المناطق وهو يزخر في كل مواجهة بمعيطات جديدة تبهر الجميع في كل مرحلة من مراحل الصراع مع العدو , ولقد بدى هذا واضحاً في الانتفاضتين الاخيرتين , وللأمانة والموضوعية نستطيع أن نقول بأن الحراك الشعبي الذي يحمل طابع العفوية الشعبية هو الأكثر تأثيراً على الصعيد الداخلي والخارجي , من لو حاول البعض احتواء وتأطير هذه التحركات والفاعليات, وهذا الحال ينطبق تماماً مع حالة الحراك الشعبي , أو الهبة الشعبية أو التفاعل الشعبي لقضية القدس الاخير , ولكنها حسب اعتقادي لا ترقى لمستوى الانتفاضة الشاملة كمثيلاتها وان حملت في طياتها العديد من مقومات الانتفاضتين السابقتين .
معطيات الهبة الشعبية " هبة القدس "
1- إن المحرك الرئيسي والفاعل لهذه الهبة كان فئة الشباب والأطفال مع عدم انكار مشاركة جميع الفئات لكن بدرجات متفاوتة .
2- أن هذه الهبة هي انعكاس صادق وحقيقي وردة فاعل واعدة للواقع المزري والصعب في مدينة القدس والذي جاء نتيجة تراكمات متلاحقة لسياسة البطش والتعسف الإسرائيلية عبر إجراءات تهويد المدينة المقدسة وسكانها .
3- الهبة الجماهيرية أحيت المارد من قممه وأحيت القضية الفلسطينية المثعترة على الصعيد الداخلي والخارجي , وأعادت قضية القدس إلى الواجهة .
4- كما تعودنا في الهبات السابقة فالشعب هم وقود هذه الهبة, ولقد سبقوا جميع القيادات والأحزاب في الفعل ورد الفعل .
5- أن حجم الوعي المصاحب لهذه الهبة كان مختلفاً في عن سابقاتها وأن تخلله بعض القصور في بعض جوانب .
6- أن هذا الحراك ساهم بشكل كبير في زيادة رصيد الأحزاب ولاسيما حركتي فتح وحماس واللتان بدى مشروعهم في التحرير يثبت فشله على أكثر من صعيد ، واللذان حاولا في كثير من الأحيان التسلق على مقدرات هذه الهبة , واستثمار نتائجها .
دلالات الهبة الجماهيرية " هبة القدس "
1- أن الشعب الفلسطيني رغم تعدد المحن والأزمات التي تمر به ما زال حياً بشبابه وأطفاله ونسائه وشيوخه , وما زال يرفض الخنوع وكل مشاريع التهويد , وأن المراهنة على استسلامه هي عبثية .
2- رغم ما يعصف بالمنطقة العربية من أحداث دامية ووقائع خطيرة , إلا أنه بفضل هذا الشباب المبدع وهذه التضحيات الجسام عادت القضية الفلسطينية لتحتل واجهة الخارطة السياسية والإعلامية على الصعيد العربي والاقليمي والدولي .
3- هذا الحراك أتثبت بشكل قاطع ضعف ووهن الأحزاب والقيادات الفلسطينية عن مسايرة ومواكبة واللحاق بهذا السيل الجارف من التصدي والابداع لأعتى القوى الغاشمة في التاريخ الحديث .
4- لقد بدى واضحاً في زخم هذه الهبة مشاركة ما يسمى " الأغلبية الصامتة " وهم الذين لا ينتمون لأحزاب من شعبنا في هذا الحراك عبر التفاعل الكبير في مختلف المواقع في هذا الصراع وهذا مؤشر لم ينتبه له العديد من المحللين , ويعكس إلى حد كبير أفضلية هذه الهبة والتغييرات المصاحبة لها .
رسائل الهبة الشعبية " هبة القدس "
إن هذه الهبة التي انطلقت بشكل واعد ورائع تحمل في طياتها عدة رسائل لغدة اتجاهات كالتالي:
الرسالة الأولى : أن مدينة القدس مقدر رئيسي من مقدرات القضية الفلسطينية ولا يمكن العبث بها أو محاولة تغير الوضع القائم بها, عبر محاولة اليمين الإسرائيلي استغلال الظروف الداخلية والاقليمية والدولية لتنفيذ مخططاته القذرة في مدينة القدس وغيرها عبر محاولة تثبيت مفهوم
( يهودية الدولة ) .
الرسالة الثانية : على القيادات الفلسطينية والأحزاب أن ترقى لمستوى هذا الحراك والذي ظهر عبر سمو الغاية وعظم التضحية , وروعة التعبير عن رفض المحتل وصدق الهدف من هذا الشباب الثائر والحر .
الرسالة الثالثة : أن الممارسات اليومية لحكومتي غزة والضفة كانت أحد أسباب ثورة الشباب نتيجة لمشروع المفاوضات العبثية للسلطة ومشروع المقاومة الذي يحاكي العاطفة دون أن يحمل استراتيجية شاملة لمواجهة العدو في غزة , وخسارته في الظروف الحالية أكثر من المكاسب .
الرسالة الرابعة : أن بوصلة الغضب عند الشباب كانت موجهة دائما وبشكل تلقائي اتجاه العدو , ولكن إذا لم تغير الأحزاب والقيادات من سلوكها وتجد آليات توافقية حقيقية تقترب فيها من هذا الشعب المكلوم , وإن بقيت القيادات في الضفة وغزة تستخف بشبابها وشعبها لصالح رؤى حزبية ضيقة وأجندات خارجية فالشباب سيحول بوصلة غضبه داخلياً هذه المرة وسيقلب الطاولة على رؤوس الجميع .
الرسالة الخامسة : أن هذه الهبة يجب التعامل فيها بأقصى درجات التعقل والواقعية التي تتطلبها طبيعة المرحلة المتأزمة التي تعصف بنا داخلياً وخارجياً ، وان الحكم عليها بالعاطفة وحدها هو مفسدة للأمور ، وأن المقترحات الامريكية والاردنية المطروحة لتسوية الوضع في مدينة القدس فيها الكثير من القصور ولا تلبي طموحات شبابنا وشعبنا.
(والله غالب على امره ولكن اكثر الناس لا يعلمون)
هذا والله الموفق