لأنها فلسطين العِشق والروح والقادة العِظام والشهداء والأسرى ،ولأنها أرض الله المُباركة كان لزاماً علينا جميعاً أن نحافظ على تلك المكانة العالية والسامية التي كرمها بها الله وميّزها عن سائر الكون ، ومن هنا كان لِزاماً أن يصدح الحق عالياً ليرد الضرر الذي يلحق بها وبأبنائها ولتعلو راياتها خفاقة عالية بين الأمم كما يجب أن تكون .
بكـل صــراحـة إن الهجرة أو الهروب من غـزة (بعد انعدام السُـبل الضرورية لمواصلة الحياة ) ما كان يجب أن تحدث نهائياً ،وخصوصاً وأن الشعب الفلسطيني يمر بمرحلة دقيقة من تاريخه النضالي و نحن ننادي بالحرية والأسرى و بإستقلال دولة فلسطين وعودة اللاجئين المُهجرين قسرياً بفعل النكبة الأولى .
ما كان يجب أن يحدث ذلك ونحن نطالب بثوابتنا الوطنية الراسخة التي نسعى لتحقيقها ونحلم بذلك لنرى نور الحرية يشع فوق سماء فلسطين ، وكان يجب على الجهات المختصة في غزة معالجة أسباب الظاهرة قبل وقوعها لأن الحدث جد خطير وفي غاية الأهمية الوطنية .
المأساة والكارثة كما أسلفت سابقاً في الجزء الأول من هذا المقال هو أن الصهيونية العالمية واليهود يعملون بكل جهودهم لتهجير اليهود من شتى بقاع الأرض الى فلسطين ، وفي المقابل يحدث ما حدث من طرف أبنائنا من ..... ، وهذا ما يجب ولا يجب أن يحدث مهما كانت الذرائع والدوافع لتبرير الهجرة والهروب ،وهنا تكمن أهمية تحريم الهجرة بل أكاد أجزم بأنها حــــــرام شرعاً في مثل هذا الموضع.
يجب علينا ألا ندفن رؤوسنا في الأرض أو بين أرجلنا مثل النعام لأن الحدث جلل و المصيبة كبيرة لأنها تمس الوجود الفلسطيني على الأرض حيث أننا لا نزال نقبع تحت الاحتلال الاسرائيلي ، ولهذا يجب عدم السماح بتفريغ فلسطين من أبنائها من خلال القضاء على دوافع الهروب وتوفير وسائل الحياة الكريمة للمواطن وتعزيز صموده و تمسكه بأرضه .
الموت هو صوت الحق الذي دق ناقوس الخطر وأيقظ النائمين على هوّل الكارثة التي نتجت عن غرق مئات الفلسطينيين في عرض البحر أثناء هروبهم الى المهجر بحثاً عن حياة كريمة ، ولكنهم لم يجدوا سوى الموت الذي فـروا منه جـوعا أو قـهراً إلى الموت غـرقاً ، وبين هذا الموت أو ذاك تتحسر فلسطين على أبنائها لأنها الخاسر الأوحد نتيجة لذلك .
لذلك يجب معرفة الأسباب والدوافع التي دفعت من قاموا بالهجرة أو الهروب بترك وطنهم وأهلهم واللجوء إلى عالم المجهول والموت لتحدث المأساة أو الكارثة ،ثم نقف على تلك الدوافع وايجاد حلول شافية لها لعدم تكرارها من أجل مصلحة فلسطين العليا أولاً وأخيراً.
قبل التطرق لمعرفة أسباب الهجرة الكارثية يجب ذكر بعض الحقائق لأنها قد تساعدنا في ايجاد الحلول الناجعة لتلاشي المأساة ومنها :-
1 – أغلبية فئة المهاجرين تنتمي الى الطبقة المثقفة مثل الخريجين الجامعيين ، كذلك شملت الهجرة أطباء و مهندسين و موظفين وغيرهم من العمال المهرة .
2 – الهجرة مفردة أو جماعية حيث أنها مفردة وأغلبها من الشباب ،وجماعية لعائلات تهاجر بأكملها تاركةً الماضي وذكرياته الجميلة أو الأليمة للبحث عن حياة جديدة .
3 – هجرة العائلات بأكملها تعتبر مكمن الخطورة الديموغرافية على الوطن ، لأنه من المُستساغ خروج رب الأسرة لوحدة بحثاً عن العمل والرزق لأنه حتما سيعود من أجل أسرته وأبنائه ،ودافع الحنين كفيل بعودته مهما طالت سنين الغربة.
لذلك من يخرج مهاجراً بجميع أفراد عائلته نستطيع الجزم بأنه قرر مُبكراً عدم العودة نهائيا للوطن مهما كان الثمن وهنا الخطـــورة وبيت القصيد في الحدث المأساة من ناحية تفريغ الأرض.
4 – فئة الشباب كان لها نصيب الأسد من ناحية العدد الكلي للمهاجرين بالرغم من عدم وجود إحصاء دقيق للأعداد التي هاجرت الى المجهول ، وهذه الفئة يقع عليها العبء الأكبر في بناء الأوطان ولذلك يجب المحافظة عليها .
5 – الهجرة شملت عددا لا يُستهان به من الطبقة التي تملك المال أمثال الموظفين ورجال الأعمال و التجار وغيرهم ، وهنا نطرح سؤال هام : لمــاذا يهاجر هؤلاء ويهربوا وما هي الأسباب التي أدت لذلك ؟
6- هناك مافيا وعصابات تساعد أو تعمل على تهريب الشباب إلى الخارج مقابل مبالغ مالية ، وهنا ما دور الأجهزة المختلفة سواء أمنية أو غيره من الحد من تلك الظاهرة ؟
الاعتراف بالحق فضيلة والساكت عن الحق شيطان أخرس ، وقال رسولنا الكريم علية الصلاة والسلام " كلكم راعٍ وكل مسئول عن رعيته" ، وقال عمر بن الخطاب رضي الله عنه" لا خير فيكم إن لم تقولوها ولا خير فيا إن لم أسمعها" .. ومن هذا المُنطلق أتساءل :
أين حكومة غـزة (حماس) المُسيطرة على أمور غزة و إدارتها منذ عدة سنوات من ذلك ؟، وهل كانت تنتظر القضاء على الأخضر واليابس حتى تتحرك لعلاج الأمــور ومداواتها بعد استفحالها ؟
وأين تلك الحكومة من " كلكم راعٍ و كل مسئول عن رعيته" ، أليس على الحاكم أن يعمل على تأمين حياة رعيته التي تعيش تحت كنفه ؟ أو أن الحُكم هو الجلوس على كرسي الحكم دون الالتفات للرعية ؟
الأسباب التي أدت إلى الهروب والهجرة بحثا عن وطن أخر بخلاف الأم فلسطين :-
1 – الانقسام البغيض بين شطري الوطن الضفة وغزة وما ترتب علية من نتائج مقيتة على جميع الصُعد وخصوصا لأهلنا في غزة الحبيبة .
2- الحصار الإسرائيلي الظالم الذي تبع الانقسام وإغلاق المعابر وخصوصاً بعد أسر الجندي الصهيوني جلعاد شاليط وما نتج عنه من عدوان إسرائيلي متكرر على القطاع تحت حجج وذرائع إسرائيلية واهية.
3 – زيادة نسبة البطالة بصورة كبيرة بين الشباب وانعدام سُبل الحياة بنظرهم في ظل وجود ما سبق.
4 – إغلاق الأنفاق بين غـزة و الشقيقة مصر أدى إلى الشعور و الإحساس الحقيقي بقسوة الحصار ، وأصبح الجميع يشعر كأنه يعيش داخل سجن كبير .
وهنا أترك لكم بأن تتصوروا مدى التأثير والمعاناة التي تركها غياب كيس الإسمنت على عشرات الالاف من الأيدي العاملة ،ناهيك عن دورة الكبير في التأثير على جميع نواحي الحياة الأخرى .
5 – الانقسام أدى إلى تسلط الفئة الحاكمة بعظمة وجبرت القوة على الأخرين وخصوصا من يخالفها في الرأي من الفصائل الأخرى .
6 – زيادة نسبة الخوف والكبت والقهر والإحساس بالظلم وانخفاض حرية التعبير إلى الحضيض بسبب الجبروت والقوة المُفرطة ،ولهذا أصبح الفرد يعيش غربة الوطن داخل وطنه مما يدفعه للهروب من المعاناة ليشعر بالحنين الجميل الى وطنه عن بُعد.
7 - سياسة الحروب المُدمرة والمتتالية على غزة و نتائجها السلبية علي أي مجتمع فما بالك ونحن مجتمع محاصر ولا نملك حولاً ولا قوة ،مما أدى إلى خلق حالة من عدم الأمان حيث أصبح الأب يفقد أبنائه أمام عينية واحدا تلو الأخر ولا يقدر على فعل شيء .
8 - السياسة الخاصة لحكومة غزة بقيادة حركة حماس مع الدول المجاورة ساهمت بزيادة الحصار وزيادة ضنك الحياة وأصبح الالاف من العمال يعانون ويعانون ...
9 - التفكك الأسري للنسيج الاجتماعي الفلسطيني بعد الانقسام أدى إلى غياب الحب والمودة والتسامح بين أفراد العائلة الواحدة ، حيث أصبح الانتماء للحركات دون الوطن مما أدى الى انتشار الحقد والكراهية ، فما بالك بالعلاقة مع الأخرين ؟
10- تذبذب الوضع السياسي الداخلي وفقدان الأمل في حدوث انفراجه حقيقية للمصالحة الوطنية وسياسة التراشق الإعلامي بين الأطراف المعنية والتي في كل مرة نقول وداعا للانقسام وأهلا بالمصالحة إلا ونرى العكس تماما ...
11- ناهيك عن غياب وعدم توفير الخدمات الحياتية الضرورية بالصورة السوية للمعيشة وعلى سبيل المثال لا الحصر مشكلة الكهرباء وغيرها .
كل ذلك خلق دافعاً تراكميا للانفجـار لدى البعض للهروب و البحث عن وسيلة للحياة الكريمة ، ولهذا بحثوا عن وطن بديل ولو كان مؤقتاً حتى يتغير الحال الى أحسن منه.
وزاد شعور الرغبة بالهجرة بعد نتائج الحرب الأخيرة التدميرية لتقضي على الأمل الخافت لدى البعض بتحسن الأحوال وانفراجها بفك الحصار أو بتحقيق المصالحة الوطنية التي أصابت البعض بالصدمة لعدم تحقيقها بالصورة المطلوبة .
لذلك كان الاحـبـاط و الصدمة وانعدمت الاّفاق نهائيا أمام الناس و أصبحت الحياة سوداوية بعيونهم وكان التفكير للخروج من مرحلة التوّهــان والموت البطيء والبحث عن ملاذٍ اّمن هو الحل السحري للمعاناة ، وكانت الهجرة هي الحل الأمثل الى بلاد العم ســام لعل وعسى !
واّسفاه ... حتى من هاجروا لم يُسعفهم القدّر بالوصول الى مُبتغاهم وكان الموت هو الأقرب اليهم في عرض البحر قبل تحقيق الهدف .
وهكذا فقد الوطن مجموعة من خيرة أبنائه و هم الشباب الذين يعتبروا الطبقة الهامة في تقدم المجتمع وبنائه ، وهنا من سيبني الوطن ويعيد إعماره بعد النكبة ؟ وهل نستورد عمالة أجنبية بعد هروب أبنائنا من جحيم الحياة ؟.
أعتقد أنه من المؤسف أن يخرج مسئول يُعتبر بمثابة قائد لدى حركته ليخرج للإعلام بتصريح غريب لمجرد التبرير فقط للهجرة ،حيث أفاد بأن الفلسطينيين هاجروا من العراق و هاجروا من لبنان و هاجروا من سوريا .... وكأنه يبرر الهجرة من غـزة !
أقول لذلك المسئول إن كان لا يعلم بأن تلك الهجرة تختلف تماما عما يحدث الان في غزة ،لأن إخواننا المهاجرين الأوائل بعد خروجهم زمن النكبة الأولى أصبح الأمر لديهم سيان ولا فرق بين دولة وأخرى طالما أنهم بعيدون عن الوطن الأم، ولذلك هربوا من تلك الدول حِفاضا على أنفسهم وأطفالهم من قصف الطائرات والمدافع حتى يعودوا الى فلسطين لتحقيق حلم العودة التي يحلمون بها دائما.
أما تبرير الهجرة من فلسطين فكان يجب على ذلك المسئول تحريمها بالكامل وكان يجب عليه ايجاد الحلول للخروج من تلك المُصيبة الوطنية ، وهنا عذر أقبح من ذنب وسذاجة لا يقع فيها قائد ، أم أن ذلك المسئول كان يريدهم البقاء تحت قصف المدافع حتى لا يُتهموا بالهجرة مجدداً ؟
أيضا أكاد أجزم بأنه من العار أن يخرج أي خطيب مسجد مهما كان رأيه وعلمة ويعتلي منبر رسول الله ويتلفظ بهذه العبارة : من لا يعجبه غزة ... يروح الى السويد !!!!
وهنا لا تعليق سوى حسبنا الله ونعم الوكيل ...
عموما الهجرة ما كانت لتحدث لو كانت الفصائل الفلسطينية تضع نصب عينيها مصلحة فلسطين أولا وأخيراً و تعالت على الجراح وفضّلت فلسطين على مصالحها الحركية الضيقة ، الهجرة ما كانت لتحدث لأن قوتنا تكمن في وحدتنا وعند تحقيق هذه الجزئية بنية صادقة نستطيع التغلب على اكبر المشاكل و التنبؤ بها قبل وقوعها والعمل على ايجاد الحلول اللازمة لعدم الوقوع فيها.
الهــروب لازال قائما وإن خفت وتيرته نوعاً ما بعد غرق المهاجرين والذي أصاب البعض بالخوف والرعب ،ولذلك فضّل التريث حتى انجلاء الأمور بالنسبة للمصالحة والحصار وغيرها .
وللعلم يوجد عائلات بأكملها جهّزت أمورها وعزّمت على الرحيل ، ولكن حادث الموت كما أسلفت أوجد دافعا لتأخير الهروب إلى وقت لاحق، وهذه حقيقة وأهل مكة أدرى بشعابها ، ولهذا يجب التحرك بسرعة وعدم تجاهل الحدث .
أعتقد من الجُرم بمكان تحميل حكومة التوافق الوطني هجرة وهروب الناس كما يدعي البعض ، لأن الحدث تراكمي و ليس وليّد اليوم أو الأمس، والهجرة للمجهول نِتاج سنوات وليس شهور، وليس دفاعاً عن هذه الحكومة أعتقد بأنها بريئة من ذلك ...
نظراً لعشقي لوطني أضع تلك الحيثيات أمام الجهات المختصة كي تقف أمام تحدياتها الوطنية.
لذلك يجب الاسراع في ايجاد حلول عاجلة وسريعة لخلق أجواء الطمأنينة بين الناس لبث روح الوطن والأمل بينهم ،والعمل على توفير سبل الحياة الكريمة لهم .
والحل السريع يتمثل في مصالحة وطنية حقيقية بعيدا عن المحاصصة الحركية المُميتة التي أعادتنا الى الماضي السحيق ، أما الحلول الأخرى فتتمثل في الاعمار النفسي والمادي والطبي والاقتصادي لجميع نواحي الحياة المُـدمـرة .
كذلك يجب العمل لدى الدول العربية الشقيقة لاستقطاب أبنائنا الخريجين الجامعين وتوفير فرص عمل كريمة لهم مما يعود بالخير عليهم وعلى فلسطين في النهاية ، ولتشجيعهم على الارتباط بالوطن وحبه .
أخيراً أتوجه الى القادة والجهات المختصة وأطالبهم بأن يقف كلٌ أمام مسئولياته و تحدياته للخروج من الكارثة ، والعمل على توفير حياة كريمة تساهم في تعزيز صمود المواطن و تمسكه بأرضه ، كما أُذكِـر تلك الجهات بأننا أبناء وطن واحد ودين واحد ولغة واحدة وعادات وتقاليد واحدة ولا ننتمي الى مِلل و طـوائف متعددة ، وفلسطين تتسع لأبنائها جميعا وهي تجمع و لا تفرق أبدا ولذلك فلنتحــد ونتعالى على الجراح وكفانا انقسـاماً.
لهذا مزيداً من المودة و المحبة و التسامح للقضاء على ( توابع الانقسام ) الحقد والكراهية بين أبناء الوطن، وذلك من خلال وحدة وطنية كاملة وحقيقية على أرض الواقع حتى نتفرغ لمقارعة إسرائيل وانتزاع حقوقنا الوطنية بإقامة دولة فلسطين المستقلة وعاصمتها القدس الشريف .