يبدو أن ما حذرت منه القيادة الفلسطينية الصامدة والراسخة بقوة الحق الفلسطيني سابقا، ومنذ فترة قصيرة قد بدأ يتحقق على أرض الواقع رويداً رويدا وبصفة خاصة كلما اقترب موعد لقاء الرئيس الفلسطيني محمود عباس "حفضه الله" بالرئيس الأمريكي باراك اوباما يوم 17 مارس الحالي لزيادة الضغط على الجانب الفلسطيني بقبول ما يُعرض عليه ، وربما تزداد وتيرة التصعيد الاسرائيلي في حال فشل التوصل لاتفاق قبل انتهاء المدة المحددة نهاية أبريل القادم وعدم تمديدها للفترة زمنية أخرى.
التحذير كما أوضح وحذر منه من قبل د. صائب عريقات رئيس الوفد الفلسطيني المفاوض في منتصف شهر فبراير الماضي بأن إسرائيل ستعمل على إفشال جهود الوسيط الأمريكي كيري من خلال التحضير لشن عدوان كبير على قطاع غزة وبالفعل بدأت ملامحه في الأفق مثلما حدث بالأمس.
العدوان الاسرائيلي اندلعت شرارته الأولى بالفعل بالأمس، وتم إعلان هدنة برعاية الوسيط المصري الذي تجاهل حركة حماس من خلال التفاوض مع الجهاد الاسلامي مباشرة، وذلك يعود لحالة التوتر الشديد الذي يسود بين مصر و حركة حماس ، والسؤال الذي يطرح نفسه هنا ألا وهو هل ستصمد تلك الهدنة دون تصعيد جديد ؟ هذا ما ستخبرنا به الأيام القادمة ...
عموما لازالت الأجواء ساخنة رغم برودة الجو هذه الأيام بسبب المنخفض الجوي الذي خفف كثيراً من قدرة الطيران الاسرائيلي على القصف بُحرية كاملة ، وإسرائيل لا يُؤمن مكرها أبدا واليوم تهدئة و غدا قصف وحرب ثم تهدئة وهكذا دواليك، ولا نعلم ما الذي سيحصل في ظل التهديد القوي لنتنياهو بعد خروجه من اجتماع الكابينيت الإسرائيلي يوم الرشقات الصاروخية و القصف المتبادل ، حيث أعلنت الجهاد الاسلامي عقد هدنة برعاية مصر وأنها ملتزمة بها ، أما إسرائيل فقد نفى مكتب نتنياهو عقد أي هدنة مع الفلسطينيين مكتفيا بالرد بأن "الهدوء يجلب الهدوء" ، وهذا الرد الاسرائيلي غير مُطمئِن و يفتح الباب على مصراعيه لجميع الاحتمالات.
ولهذا يجب عدم الركون للراحة و النوم لأنه ربما تكون تلك حِيلة إسرائيلية ليتحرك قادة المقاومة (من سرايا القدس خصوصا) بِحُرية تامة وتقوم فجأة باصطياد الصيد الثمين مثلما فعلت مع الجعبري سابقا لتندلع وتحترق الشرارة الكبرى للعدوان.
عموما إسرائيل ستلجأ لعدوان جديد على غزة كخيار لحكومة نتنياهو إذا ما قررت الهروب من العملية التفاوضية وتحميل فشلها على الجانب الفلسطيني من خلال عمليات استفزازية للمقاومة الفلسطينية لاستدراجها على الرد داخل العمق الاسرائيلي ، لحدوث خسائر في الأرواح لتبدو إسرائيل في صورة الحمّل الوديع أمام العالم وبأنها الضحية على العكس تماما وهذا ما تريده إسرائيل ،و سيحدث ما يحدث من تطورات بعد دلك.
العدوان الإسرائيلي ستزداد نظرية حدوثة من عدمه تحديداً كلما اقتربت المهلة الزمنية للتوقيع على ( إتفاق إطار ) على نهايتها أو عدم التجديد لفترة أخرى إذا قرر الوسيط الأمريكي ذلك و وفقا للشروط الفلسطينية مثل وقف الاستيطان و اطلاق سراح مجموعة جديدة من الأسرى و غير ذلك مما تطمح له القيادة الفلسطينية لقبول التجديد مع أنها ترفض ذلك.
العدوان الاسرائيلي للتملص أو الهروب من المفاوضات في ظل الصمود والرفض الفلسطيني المُطلق ليهودية الدولة وعدم التخلي نهائيا عن العاصمة الفلسطينية قدس الأقداس والعودة و الحرية ،والحرب إن حدثت ستكون لإجبار المفاوض الفلسطيني على الانسحاب من المفوضات بسبب ما يحدث من تبعات للعدوان الاسرائيلي من شهداء و خسائر و اجتياح وغيره ، وعلى إثر ذلك وتحت الضغط الشعبي ستضطر القيادة الفلسطينية إلى الانسحاب من المفاوضات وبالتالي يُحملها الجانب الاسرائيلي فشل المفاوضات وهذا ما يسعى إليه أساساً .
الطرف الاسرائيلي إذا ما قرر تفضيل واختيار التصعيد العسكري للهروب أماماً من المفاوضات سيكون وفقا لما يلي :-
1 - قوة المفاوض الفلسطيني : بعدما تأكدت إسرائيل وأيقنت تماما بأن القيادة الفلسطينية برئاسة محمود عباس ابو مازن حفضه الله لن تتنازل عن الثوابت الفلسطينية مهما كلف الأمر، و خصوصا بعد الرسالة القوية عندما أوضح سيدي الرئيس في خطابه عند افتتاح جلسة المجلس الثوري الأخيرة لحركة فتح بأنه لن يخون القضية الفلسطينية أبدا ، وأعلنها مرارا و تكرارا من قبل بالتمسك التام بالثوابت الفلسطينية، وهذا ما نصت عليه المواثيق الدولية وإسرائيل ترفض ذلك دائما، وفي ظل الصمود للمفاوض الفلسطيني والتمسك القوي بحقوقه فإن حكومة نتنياهو لهذا ستبحث لها عن مخرج ...
2 - قوة الأحزاب اليمينية : أما من الناحية الأخرى هناك داخل جدران بيت العدو الإسرائيلي فإن حكومة نتنياهو تعيش في أزمة حقيقية بسبب التهديدات المتكررة للأحزاب اليمينية بالانسحاب من الحكومة الاسرائيلية في حال وقف الاستيطان و إعطاء الجانب الفلسطيني حقوقه التي يتمسك بها ، وهذا ما ترفضه تلك الحكومة الاستيطانية بإمتياز ....ونظرا لذلك فان حكومة نتنياهو تبحث لها عن مخرج ...
3 – الموقف الأوروبي : أما من الناحية البعيدة هناك فهو الموقف الأوروبي من المقاطعة الاقتصادية التي ستكلف اسرائيل خسائر تقدر بالمليارات هذا بالإضافة إلى فقدان الاف العمال لوظائفهم وزيادة نسبة البطالة ولهذا تبحث حكومة نتنياهو عن مخرج ...
4 - أغلب دول العالم والمجتمع الدولي تتطلع إلى إنهاء هذا الصراع، والجميع ينتظر بلورة اتفاق بين الطرفين الفلسطيني و الاسرائيلي للتوقيع علية ولهذا سيضغط العالم على اسرائيل للتوقيع ، أو تهديدها بالمقاطعة الدولية التي ستصل لقطع العلاقات لبعض الدول مع إسرائيل في حال رفض إسرائيل أو إفشالها لعملية التفاوض الحالية التي ستنتهي نهاية أبريل القادم ، ولهذا تبحث حكومة نتنياهو عن مخرج ...
إسرائيل لذلك هي في ورطة حقيقية وتبحث عن مخرج للهروب من تلك الورطة دون مقاطعة دول العالم لها ،و دون خسارة حلفاء من المجتمع الدولي، ولذلك فإنها تهرب إلى الأمام ،وستلجأ إسرائيل إلى حل سحري بمثابة طوق نجاة لحكومة وقادة العدو الاسرائيلي الدموي ألا و هو الهروب للأمام عن طريق بوابة (أو شماعة) غزة من خلال تصعيد عسكري على القطاع تحت ذرائع و حجج وهمية .
المُتابع الجيد للصراع الفلسطيني الاسرائيلي منذ سنوات سيعلم جيدا بأن إسرائيل تُمسك وتتحكم بيدها في ملف قطاع غزة، وتلجأ لاستخدام هذا الملف كطوق نجاة كلما كانت الحكومة الاسرائيلية في وضع مُرتبك أو بصفة أدق عندما تكون محشورة في الزاوية ويشتد الخناق عليها ليزداد يوما بعد يوم ...
ولكي تخرج حكومة نتنياهو من أزمتها الحالية فإنها ستفعل كما فعلت الحكومات السابقة وبكل بساطة فإنها ستُخرج ورقة ملف قطاع غزة من دُرج الطاولة ونفض الغبار عنه لإعادة بعثرة الأوراق من جديد، وهذا من خلال عمليات استفزازية للمقاومة الفلسطينية و استدراجها للرد على الخروقات الإسرائيلية بالرد بالصواريخ الفلسطينية وأعمال المقاومة الأخرى لإيقاع بعض الخسائر في الجانب الإسرائيلي .
وهذا ما تتمناه إسرائيل بطبيعة الحال كي تبدو أمام العالم مثل الحمّل الوديع الذي لا حول له ولا قوة، وسيفعل الاعلام الاسرائيلي ما يلزم لتصديقه عند دول العالم الاخرى خصوصا أمريكا التي في أول رد فعل لها قالت المتحدثة باسم الحكومة الامريكية بأن من حق إسرائيل الدفاع عن نفسها ولم تذكر الجانب الفلسطيني بشيء علما بأنه الضحية الحقيقية للإرهاب الاسرائيلي لأنه صاحب الأرض السليبة ...
إسرائيل ستعزف على جميع الأوتار لتظهر امام العالم بانها الضحية وتدافع عن نفسها ضد الارهاب الفلسطيني كما تدعي ذلك زورا و بهتانا ، وستقوم بالرد على أعمال المقاومة الفلسطينية بطبيعة الحال و ستُسمي هذا الرد بالدفاع عن النفس، و ربما يزداد العدوان بصورة كبيرة وتحدث خسائر فادحة لدى الطرف الفلسطيني مما يستوجب على إثرها الجانب الفلسطيني الانسحاب من العملية التفاوضية تحت الضغوطات الداخلية وهذا ما تسعى له اسرائيل حاليا على الأقل.
وهكذا ستجد إسرائيل المخرج الذي خططت له من قبل وفقا لسيناريو مُحكم ومُعد سلفاً لتحصل على مُرادها السحري الذي في نظرها هو بمثابة حل لكل مُعضلاتها ومشاكلها الداخلية و الخارجية بضربة واحدة و هي الحرب على غزة أولاً والضفة ثانياً ،و بالفعل بدأت بتنفيذ أو تهيئة الوضع لدى الجانب والشارع الاسرائيلي على الأرض حالياً .
*** المخطط الاسرائيلي بالعدوان والتصعيد الكامل هل سيتم تنفيذه كاملا أو متجزئاً على الأرض ؟
أمريكا وحدها هي من تُجيب على ذلك بالإضافة إلى قدرة وقوة المقاومة الفلسطينية ستكون لها كلمة أيضاً وكما يلي :
1 - الوسيط الأمريكي إذا ما توّفرت النية الحقيقية لإنهاء الصراع العربي الإسرائيلي فإنه سيضغط على إسرائيل لوقف عدوانها على قطاع غزة أو كبح جِماح ولجم حدة العدوان الاسرائيلي بحيث لا يكون كبيرا والاكتفاء فقط بضربات محدودة نسبيا لحفظ ماء وجه حكومة نتنياهو و إسرائيل أمام شعبها ، وبعد ذلك يتدخل الوسطاء بين الطرفين لعملية التهدئة من جديد كما حصل بالأمس.
2 - المقدرة القتالية للمقاومة الفلسطينية سيكون لها دوراً فعالا في لَجم وتعطش الكيان الصهيوني للدماء ، لأنها إذا أحدثت ضربات قوية و نوعية مُوجعة ومصحوبة بخسائر فادحة في عمق الكيان الصهيوني وخصوصا في الأرواح البشرية، فإن إسرائيل ستفكر ألف مرة و مرة قبل الهجوم الكبير على غزة ،لأن الخسائر بين المدنيين هناك ستعمل على زعزعة حكومة نتنياهو بالكامل وسيكون للشارع الاسرائيلي تأثير سلبي كبير ضد الحرب ،مع العلم بان الكثير من جنود الاحتلال يرفضون الخدمة العسكرية على حدود قطاع غزة رعبا و خوفا و تجنبا للموت.
3- الاحتمال الاّخر و هو بأن الادارة الأمريكية تخشى على نفسها هناك من تأثير اللوبي الصهيوني وسترضخ تحت الضغط لأهواء حكومة نتنياهو بإعطائها ضوء أخضر للعدوان بِغض البصر الأمريكي عن العدوان ، وهكذا يستمر التصعيد العسكري يوما بعد يوم حتى يُعلن الطرف الفلسطيني انسحابه من المفاوضات نهائياً ، وبالتالي يتم تحميله الفشل للعملية السلمية (وتعود ريما لعادتها القديمة) لتعزف إسرائيل منفردة أمام العالم بأنه لا يوجد شريك حقيقي فلسطيني للوصول إلى تسويه سلمية معه .
وهكذا بالحرب والتصعيد العسكري ستخرج حكومة نتنياهو من جميع أزماتها نهائياً، وكما ذكرت أعلاه فإن الإعلام الإسرائيلي يستطيع قلب الحقائق للإيحاء للآخرين بأنه الطرف الضعيف وأنه الطرف الباحث عن السلام، أما الطرف الفلسطيني فسوف يُصوره الاعلام الصهيوني بالعكس تماما ويُظهره بالجاني و الارهابي و المُسميات الأخرى التي نسمعها من العدو الاسرائيلي التي سئمنا منها تماما.
4- الاحتمال الأخر وهو بعد زيادة توّسع العدوان على غزة والقتل و الاستيطان و مصادرة الأراضي في الضفة وهذا ما يؤدي لفشل العملية السلمية بالكامل ، فلربما سَتحدث أو تَرشحُ نتيجة لذلك الانتفاضة الثالثة علما بأن مُقدماتها الاسرائيلية على الأبواب من حصار و قتل و دمار و توّسع استيطاني كبير في الضفة ،وإلى غير ذلك من الحصار الخانق على غزة و الممارسات الاسرائيلية الهمجية ضد شعبنا البطل في كل محافظات الوطن.
** الانتفاضة الثالثة ربما ستحدث حقيقةً لا خيال اذا قامت اسرائيل بعقاب الرئيس الفلسطيني محمود عباس ابو مازن على صموده في وجهها بسبب رفضه التوقيع او التنازل عن الثوابت الفلسطينية، وتقوم بتكرار سيناريو وحصار الشهيد الرئيس الراحل ياسر عرفات رحمه الله بعد العودة من كامب ديفيد من حصار و تدمير و قتل وغير ذلك ، وهنا سوف تحدث حتماً الانتفاضة الحقيقية والتي ليست بِحُسبان العدو الاسرائيلي لأن الفصائل الفلسطينية جميعها ستدخل في معركة حقيقية مع العدو الاسرائيلي وفي مقدمتها حركة فتح بالتأكيد .
الظروف المناخية للحرب مهيأة بالكامل لصالح إسرائيل لأن الدول العربية المجاورة التي نعتمد عليها بعد زيارة الربيع ... عفوا الدمار والخراب العربي لدولهم أصبح شعارهم نفسي ثم نفسي ، ناهيك عن العلاقة مع الشقيقة الكبرى مصر أصبحت تحت الصفر بسبب تدخلات حماس هناك مما جعل التوتر الدائم شعاراً لتلك العلاقة بعدما كان يربطنا الرابط الأقوى وهو الدم المشترك الذي ارتوت به الأرض في فلسطين و مصر و...
طبعا لا ننسى حالة الانقسام بين شطري الوطن غزة و الضفة و هذا أضعف كثيرا الفلسطيني بصفة عامة سواء المفاوض الفلسطيني من جهة أو المقاوم الفلسطيني من جهة أخرى، و اليد الواحدة لا تصفق مهما ضحكنا على بعضنا البعض لأن في الاتحاد قـــوة.
ولو حدثت الحرب الكبرى والموّسعة ستكون إسرائيل بذلك أشعلت الحرب والمنطقة، ولكن هل ستقدر على إطفاؤها ؟
وهذا مما أشك فيه تماما ، لأن فلسطين بعد حصولها على دولة غير عضو في الأمم المتحدة تختلف عن فلسطين الأمس وسيتم محاكمة قادة الاحتلال على جرائمهم قديما، و حديثا وهذا بطبيعة الحال بعد استكمال الانضمام لمحكمة الجنايات الدولية و المنظمات المختلفة لهيئة الأمم المتحدة والتي تقدر بـ 67 منظمة دولية .
عموما أتمنى ألا تحدث الحرب نهائيا لأن النتائج ستكون كارثية على الجميع و لأن العودة ستكون إلى النقطة ما قبل الصفر.
كما أدعوا إلى المولى عزّ وجلّ أن يُبعد الحرب و يجنبها أبناء شعبي الفلسطيني الصامد البطل، وسـحقاً لإسرائيل وأمريكا وأعـوانهما المتآمرين.
لهذا أتوجه إلى قادة الفصائل الفلسطينية جميعا و دون استثناء و أقول بأن فلسطيني تنادي وتنادي أبنائها .. فلبوا ندائها إن كنتم لفلسطين تعشقون و لمائها تشربون و لأجلها تدافعون ...
لبّوا النداء الأغلى للوطن الأغلى فلسطين وذلك بإتمام المصالحة و إنهاء الانقسام المشئوم الذي يخدم إسرائيل فقط ، وتحّلوا بروح الوطن و الوحدة الوطنية و هلموا سعياً إلى الوحـدة ثم الوحـدة و إنهاء الانقـســام .