منذ أن وطأت قدما سيدنا آدم و حواء على هذه الأرض ، و تكاثرت ذريتهما حتى أصبحنا شعوباً ، كانت منطقة الشرق الأوسط نواة الإنطلاق لجميع الحضارات ، و مركز إشعاع لكل الرسالات السماوية المتعاقبة على تلك الأرض ، و التي كانت تنادي بتهذيب النفس البشرية عندما تتدنى أخلاقها و دراجات إيمانها ، و في كل حقبة كان هناك حكمة إلهية في إختيار الرسل و الأنبياء لتلك الشعوب حسب لغتها و عاداتها و قيمها ، فأدى ذلك إلى تنوع الأديان ، فتفرع منها الطوائف و المذاهب حسب الإجتهادات و التجديد فيها ، و حسب ظروف تاريخية معينة كانت صحيحة أم خاطئة ، فوُرثت من جيل إلى جيل حتى يومنا هذا ، لذلك وجب علينا أحترام معتنقيها ، لأنها شأن إلهي مع عباده ، كما قال تعالى في كتابه الحكيم " لكم دينكم و لي دين" ، فالأصل أن لا نكره بعضنا بسبب المذهب أو الدين أو الطائفة ، ما يعنينيا كبشر إحترامك و سلوك أخلاقك نحو الآخرين ، تلك القيم التي تنادي بها جميع الأديان و المذاهب التي تؤمن بها، هي المقياس الحقيقي لفهمك و إستيعابك للآخرين ، و غير ذلك يكون قانون غاب قد يؤدي الي هلاك الكل و مزيداً من الدماء ، و مزيداً من التخلف و الإنهيارات و ردات فعل لا يعرف مدى ارتداداتها علينا ، كواضع السم في طعامه بيده ، فعندما تُقْتل النفس البشرية بإسم الدين مع سبق الأصرار و الترصد ، يجب علينا أن نتوقف عند هذا المشهد المحزن ، الذي يتحمل مسؤوليته علماء الدين الأجلاء ، لعدم تعريتهم لأناس ليست على قدر من العلم و البصيرة ، يحرفون النصوص الدينية و الفتاوي على أهوائهم ، و نرصد هنا من مشرقنا إلى مغربنا شباب بعمر الزهور ، كيف يخضعون لسياق ديني مدروس لغسل أدمغتهم ، تعرفها جيداً كل إستخبارات العالم حتى يفجروا أنفسهم بإخوة لهم ، ليقتلوهم تحت مسميات طائفية واهية ، هل هذا ما دعى اليه أم ما نهى عنه ديننا الحنيف ؟ أم نحن فهمنا للدين هو تكفير الآخرين ؟ هل العقيدة الأسلامية السمحة تحرض على القتل و العنف ؟ بالجزم لا
، فلذلك يجب على علماء الدين ، و الأكاديميون ذات الضمائرالحية ، و أصحاب العقول النيرة ، المتمرسة في الحياة العملية قبل النظرية ، أن تبرز القواسم المشتركة التي تجمعنا ، و أن نعرف كشعوب جيداً أين مصالحنا العليا ، التي تحدد معالمنا الوطنية ، و إن الوطن يعلو خفاقاً بتنوعه الفكري و المذهبي و الطائفي كرافعة و حاضنة للجميع ، عندما نكون مستمعين جيدين لبعضنا البعض ، و قارئين دائمين للماضي و الحاضر و المستقبل ، حتى نتعلم من تجارب أسلافنا و الأجناس الأخرى ، تجنباً لشبهات الفتنة التي تطل علينا بين فترة و أخرى ، و تتصدر في زماننا هذا المشهد المحزن ، الذي نعيشه واقعاً ملموساً في سوريا و العراق بالقتل على الهوية المذهبية ، و قبل ذلك ثَمِلنا مرارتها في لبنان بحربها الطائفية ، و الجزائر بعشريتها السوداء ، و فلسطين بإقتتال الإخوة , و في ليبيا بصراع قبائلها ، لذلك يجب علينا أن نعي جيداً و هذا ليس بسر ، أن إستراجية الشرق الأوسط الجديد ، المعدة مسبقاً منذ خمسينات القرن الماضي من الدول الإستعمارية التي تقودها أمريكا ، نواتها الأساسية تفتيت تلك الدول إلى دويلات على أساس طائفي و حتى مذهبي ، تحت مسمى عدم تجانس تلك الشعوب عقائدياً في العيش بسلام مع بعضهما البعض ، و إن لم يتواجد هذا التنوع الديني عند بعض الدول فتقسم على أساس قبلي ، فالتقسيم الإثني من وقت ليس ببعيد للسودان الشقيق ، السلة الغذائية الإستراتيجية للإكتفاء الذاتي لهذه الامة ، إستغلالاً لخطأ قاتل من حاكم أراد فرض أيدولوجية حزبه الدينية على شعب متنوع الأديان ، كان عبارة عن جس نبض لكرامة هذه الأمة في خبزها لما هو لاحقاً آتي ، فللأسف رَسبنا في هذا الاختبار المسخ ، لأن كل فرد منا تناسى بخسة الحكمة العظيمة "أُكلت يوم أُكل الثور الابيض " ، التي كان واجب علينا ان ندركها جيداً من باب ذر المخاطر من الأعداء ، فأمريكا تستثمر بسخاء مئات الملايين من الدولارات في مكاتب الانجوز و مكاتب قياس الراي العام ، لمعرفة تقبل جهاز مناعتنا الضعيف ، لما نتلقاه منهم من أفكار شيطانية عن طريق بعض أبناء جلدتنا ، لإشعال وتيرة النعرات الطائفية في هذه المنطقة الملتهبة بالفتنة ، و إرتكازها على عامل أساسي و هو تخلفنا و فهمنا الخاطئ و عدم احترامنا لبعضنا البعض ، و تقديسنا و إنبهارنا لتلك الدول المستبدة ، بما أن لو طبقنا تلك المعايير المتخلفة ، التي تحدد إيقاع علاقتنا البغيضة مع بعضنا البعض على هذه الدول المستعمرة ، من حيث العرق و الدين و المذهب ، و ضف على ذلك إستعمارهم الفكري لنا و نهبهم لخيراتنا ، لوجب علينا ضربهم بسلاح نووي ، و لكن المشكلة الكبرى أننا نبحث مع تلك الأعداء على أشياء مشتركة تجمعنا معهم ، نبني لهم قواعد عسكرية على أراضينا ، حتى كل طائفة منا تحمي نفسها من الأخرى و بل تسعى إلى تدمير جيرانها ، فتجرية ضرب العراق في المرة الأولى من القرن الماضي ، و إحتلاله في المرة الثانية قبل سنوات عبر عواصم عربية شاهد عيان على ذلك ، لأننا نملك أفكار ملوثة مستوردة من هذا الإستعمار ، و إننا غير مؤتمنين على أوطاننا أو أبنائنا أو حتى على أنفسنا ، لأن الشعوب التي تحترم نفسها ، تعرف أين تضع بيضها ، و تعي جيداً قيمة التنوع الديني و الطائفي و الفكري ، الذي قادها إلى مصافي الدول المتقدمة ، فتجرية الشعب الاوروبي بعد تجاوزه لمحنة الحروب الدينية الطائفية ، و ما وصل إليه من تقدم و رخاء خير دليل على ذلك ، نحن كشعوب عربية بتنوع عقائدنا و مذاهبنا ما يجمعنا أكثر بكثير مما يفرقنا ، نستطيع وضع ضوابط للأشياء التي نختلف عليها ، حتى نتجاوزها بكل سلاسة على قاعدة "الدين لله و الوطن للجميع" ، لأننا نتشارك نفس المصير ، فمشكلتنا كأمة واحدة ليست مع أبناء ديننا الشيعة أو السنة ، و ليست أيضاً مع أبناء قوميتنا المسيحيين ، أو أصحاب الأديان و المذاهب الأخرى ، بل مشكلتنا المركزية هي أطماع الدول الإستعمارية المستبدة في خيراتنا و على رأسها أمريكا و العدو الصهيوني ، حتى تحافظ على إمتيازاتها و مصالحها على هذه البقعة الغنية بكل شئ ، فأين نحن كعرب من مصالحنااااا؟؟