إن تقدم الأمم والشعوب في العالم مرهونٌ في التقدم العلمي والصحي في تلك الدول، وعنها ينتج التقدم والازدهار الاقتصادي؛ وبعد الحرب العالمية الثانية وخروج اليابان مستسلمة ومهزومة في الحرب؛ سخرت كل جهدها لبناء الإنسان الياباني من خلال بناء التعليم والصحة من خلال بناء مناهج تعليمية متميزة وجيدة وكذلك الاهتمام بالقطاع الصحي، حتى وصلت اليابان في يومنا هذا إلى ذروة مجدها وتقدمها التقني والعلمي والتكنولوجي والصحي؛ ونحنُ نعلم أن الجسم السليم في العقل السليم، وأن الصحة تاج على رؤوس الأصحاء وأن الاسلام دين حثّ المسلمين وطالبهم بالنظافة والطهارة واعتبرها شطر مهم من الايمان وكذلك حِرص الإسلام على العلم والأخلاق الحميدة، والله عز وجل من فوق سبع سماوات رفع قدر العلم والمتعلمين وشهد لهم وبعث النبي صلى الله عليه وسلم رسولاً مُعلمًا ومربيًا، فهل واقعنا التعليمي والصحي في فلسطين بأحسن الأحوال؟ بالطبع تُشير العديد من البحوث المنشورة واستطلاعات الرأي، ومن الواقع الملموس والمعاش أنهُ في أسوأ الأحوال؛ ومنذ دخول السلطة الوطنية الفلسطينية وإنشاء وزارتي الصحة والتعليم لا شك أنهُ كانت جهود كبيرة ومباركة ومحمودة من أجل الارتقاء بالواقع الصحي والتعليمي في مناطق السلطة الوطنية الفلسطينية، وثم عمل إنجازات لا يمكن لأحد نُكرانها من إنشاء مناهج فلسطينية تعليمية مستقلة وكذلك من إنشاء العديد من المستشفيات ومحاولات كثيرة لإصلاح الواقع الصحي والتعليمي إلى الأفضل ولكن!!! اليوم وبعد الانقسام البغيض والذي مضي عليه ثمانية سنوات وبعد ثلاثة حروب على غزة ومرور أكثر من 13 سنة على وضع المنهاج الفلسطيني نرى أن هناك تراجعًا إلى الخلف في قطاعي الصحة والتعليم؛ فمن ناحية التعليم والمناهج التعليمية أولاً نقول: لو أننا قمنا ببناء منهاج حديث بأحسن الطرق وأفضل الأساليب التربوية الحديثة، ثم تركنا هذا المنهاج لسنوات عديدة دون مراجعتِه، أو تطويرهِ، فسُيحكم عليه بالجمود والرجعية والتخلف. لأن عملية تطوير المناهج التربوية يجب أن تكون مُستمرة متواصلة، ومن أبرز سمات هذا العصر أن المعلومات والمعارف والمهارات تتغير يوميًا؛ حيث يجب أن تتلاءم مع احتياجات المجتمع الُمعاصرة. وبإيجاز شديد نلخص أهم جوانب القصور في المنهاج التعليمي في فلسطين:
1- القصور في محتوى المنهاج الفلسطيني ، حيث أنهُ لا يسير وفق نظرية منهجية محددة؛ لذلك هناك حاجة إلى تطويره وفق القضايا المعاصرة لواقع مجتمعنا الفلسطيني، وحاجة السوق الفلسطينية وملاءمة المنهاج مع قدرات الطلبة التعليمية والعقلية والنفسية.
2- المنهاج الفلسطيني منهاج أُعِدَّ منذ أكثر من ثلاثة عشر سنة، ولم يتم تطويره لأسباب كثيرة؛ ومنها الانقسام الفلسطيني الحاصل بين غزة والضفة، ومنها ظروف الاحتلال، وقيود الدول المانحة الخ.....
3- إن فلسطين وطن محتل، ويتعرض للتهويد المُمنهج، لطمس معالم الهوية الوطنية والإسلامية من قَبِل المحتل، مما يؤكد حاجة المنهاج للتجويد والتطوير المُستمر.
4- عجز المنهاج الحالي واضح من خلال ضعف التحصيل الدراسي والتسرب المدرسي، وصعوبة محتوى المنهاج وضخامتهِ الكمية وكثرة العبء الدراسي، وقلة المهارات في المنهاج التجريبي، وبقي تجريبي وكأنهُ نزل من السماء!!.
5- وصف الواقع الحالي للمنهاج وبيان نقاط الضعف فيه، وكثرة الشكاوى حوله من قبل الطلبة والمعلمين، وأولياء الأمور، وضعف المنهاج الحالي عن ملاحقة التطور الفكري والتقدم العلمي اللازمين للنهضة والتقدم.
6- أن المناهج الحالية وضعت منذ أكثر من عشر سنوات لكى تكون تجريبية لمدة ثلاث سنوات، على أن يتم تطويرها بما يتسق مع متطلبات الحياة، ولم يحدث ذلك حتى الآن؛ ويمكن القول على لسان وزارة التربية والتعليم الفلسطينية الآتي: "أن المنهاج وضع تجريبيًا وقابل للتطوير لكي يتلاءم مع تغيرات التقدم العلمي والتقني، ومهارات الحياة"، حسب كلام الوزارة ونصُه حرفيًا". وإلى اليوم بقي تجريبيًا!!!.
7- من الأسس والقواعد المُهمة لتطوير المنهاج بفلسطين أن تستند عملية التطوير على فلسفة ونظرية تربوية واضحة المعالم، نابعة من الشريعة الإسلامية ومستندة إلى دراسة عملية، وعلمية، تراعي الجودة وخصائص نمو الطلبة في كل المراحل العمرية، بحيث يراعي تطوير المنهاج فلسفة المجتمع وتطلعاتهِ، وأهدافه.
8- إن المنهاج بناء هندسي متكامل الجوانب والأركان والمكونات بدءًا من الأهداف والمحتوى إلى الطرق والوسائل والنشاط والتقويم، بحيث تكون عملية التطوير مستمرة وشاملة.
9- نلاحظ أن الطلاب في المرحلة الابتدائية يحمل حقيبة على ظهره فيها ثمانية كتب تكون أحيانًا أتقل من وزن الطالب في الصف الأول وتكون عبء كبير عليه مع العلم أنه ممكن دمج الثمانية كتب في أربعة فقط والتركيز على تمنية مهارات القراءة والكتابة في هذه المرحلة الابتدائية والتركيز على التربية الأخلاقية فقط قبل التعليم.
أما عن الواقع الصحي في فلسطين اليوم وخاصةً في قطاع غزة يلفظ أنفاسه الأخيرة وفي حالة موتٍ سريري وهذا ليس كلام فرقعات في الهواء بل هو واقع ملموس ونعيشه يوميًا بحيث أنه لا سمح الله لو دخلت مستشفى الشفاء وقسم الباطنة على وجه الخصوص لرأيت عجائب الدنيا السبعة؛ فالداخل إليه مفقود والخارج منهُ مولود، حيث لا صحة ولا رعاية ولا نظافة ولا طِب، المبني متهالك الجوانب والأركان يكاد يخِرُ السقف ساقطًا فوق رؤوس المرضي متهالك الجدران، وإن سألت عن المنظار يقولون لك عطلان؛ ويقوم الطبيب بتوجيهك إلى العيادة الخاصة لتدفع ثمن عملية منظار في الخارج تقارب المائة دولار وقتها يهتمون بك ويحملونك فوق الأكتف والأعناق.
التحويلات الخارجية للعلاج بالخارج تبلغ ملايين الدولارات سنويًا وهذا الأمر منذ أكثر من عشرين سنة؛ مما كلف خزينة السلطة مبالغ مالية ضخمة وهنا لابد من السؤال لماذا لم يتم بناء مستشفيات على أحدث المواصفات؟ ولماذا لا يتم استجلاب أفضل الأطباء للعمل في تلك المستشفيات؟ ولماذا لا يتم منع الأطباء من العمل في عيادات خاصة بجانب عملهم الحكومي بالمستشفيات التابعة لوزارة الصحة؟ وتجد بعض الأطباء في مشفي الشفاء بغزة اهتمامهم بالمريض يبلغ أقل القليل في المستشفى؛ وحينما يذهب المريض إلى العيادة الخاصة لذلك الطبيب تفرش له الأرض بالورود ويرحب به أجمل ترحيب ويعامل بكل رحمة وإنسانية لأنه دفع كشفية للطبيب (70 شيكل) أو هل من مزيد!!!
إن واقع الصحة وخصوصًا في قطاع غزة كارثي وبعض الأطباء لا يتقون الله عز وجل في المرضي في المستشفيات ومن هنا لابد أن يكون حزم وحسم في هذا الأمر ويصدر مرسوم رئاسي أو من السيد وزير الصحة أنه ممنوع الازدواجية في العمل، فإما العمل للطبيب في المستشفى الحكومي وإما في العيادة الخاصة ومنع الازدواجية، وكذلك لقد جاءت مساعدات لحركة حماس الحاكمة الفعلية لقطاع غزة تقدر بملايين الدولارات منذ توليها حكم القطاع وخاصةً بعد الحروب الصهيونية على غزة أين ذهبت تلك الأموال؟ لماذا لم تذهب لبناء المستشفيات والمدارس والعيادات، وتطوير الصحة والتعليم، وما أبرأ أحدًا فالكل مسؤول أمام الله عز وجل يوم القيامة عن ما استرعاه فيه هل ضّيع الرعية أم هل أدى الأمانة؛؛؛ إننا ندق ناقوس الخطر ونوجه نداء لكل شرفاء فلسطين والمسؤولين وحتى التجار والأغنياء وأصحاب رؤوس الموال للمساهمة في بناء مؤسسات الوطن التي بها يسمو بها ويرتقي واقع شعبنا الفلسطيني وعلى رأس تلك المؤسسات الصحة والتعليم
والاهتمام في بناء المستشفيات المتطورة والمتقدمة واعطاء رواتب مميزة للأطباء المتميزين وكذلك زيادة رواتب المعلمين وتطوير المناهج التعليمية والتخفيف منها ومواكبة التقدم العلمي والتقني في العالم وإرسال البعثات التعليمية إلى الدولة المتقدمة مثل ألمانيا واليابان وغيرهما، ليتعلم فيها طلابنا العلم والطب وينقلوا تلك الحضارة إلى فلسطين المحتلة، حتى ينعم شعبنا المكلُوم بتعليم يتصف بالجودة واستشراف المستقبل والتنمية المستدامة، وكذلك بالصحة التي هي ركن أساسي لبناء الإنسان صاحب الفكر والعقل والرؤية المتفتحة والجسم السليم لنواجه عدو غادر جبان مُجرم بسلاحي العلم والتعليم والصحة لجميع أبناء شعبنا وليكون التعليم والصحة مجانيًا، من أجل بناء جيل من الشباب قادر على حمل الراية واللواء بفكر متفتح وعلم زاخر وصحة جيدة حتى تحرير فلسطين كل فلسطين والقدس الشريف التي تأّن تحت وطأة الجلاد اللهم هل بلغت اللهم فأشهد، ولقد أسمعت لو ناديت حيًا!! نرجو أن يلقي هذا المقال مسامع وقلوب وعقول كل مسؤول لنبدأ العمل من الأن على تطوير قطاعي الصحة والتعليم في فلسطين.
الكاتب المفكر والمحلل السياسي
مدير المركز القومي للبحوث والدراسات بغزة