تاريخ النشر: 2021-08-11 | 08:10
تاريخ النشر: 2021-08-11 | 08:10
في جولة ممتعة بين عدة دواوين هي مغناة الليلك ومرافئ الغيم وديوان تحت الإنجاز ، للشاعرة ذات الجذور الفلسطينية رفعة يونس، شعرت ان روحي تحلق في فضاءات العديد من النصوص التي قرأتها، فقد أثارت هذه النصوص بجماليتها وما احتوته من لوحات وصور وارتباط بالأرض والمكان اشراقة روحي وقلمي، فمن يجول في نصوص الشاعرة يجول في المكان والزمان والأرض والإنسان والحلم، وهذه بعض من سمات ابداعات الشاعرة وتحليق روحها، وجماليات الشعر هي التي تعيد القارئ للتحليق الروحي مع النصوص في كل مرة تشده لقراءتها من جديد،
ففي نصها "نوّار الأرض" من ديوانها "مغناة الليلك"، رأيت الوطن حلم لا يتوقف، حلم ينبع "من رحمِ الأرضِ" من حيث تمتد الجذور من قلب الأرض، كما أسياف تقاوم المحتل، فيأتي شعبنا جيل بعد جيل "كفا للريح، قهرا للموت، مقصلة للعدى"، وأرواح الشهداء التي لم تزل تبحث عن مأوى في وطن حر، تنير كما "هالة الشمس"، تبتسم لـ "ثغر صغير، يناجي وعود السنابل"، ففي الوطن نبقى نحن "نوار الأرض" نغني في وجه المحتل "أنشودة الفجر"، وبالحجر المقاوم في وجه حراب الجند والأسلاك الشائكة نصدح "موال للندى"، ونطلق في السماء "نجوم تسطع في البال"، كي تكون مصباحا للأجيال الآتية "تشرق في الذاكرة"، وكأنهم يصرخون: نحن القادمون غدا "ربيع العمر"، نزرع في سهول الوطن "خضرة هذا الوقت"، آتون من بين أرض العرب "من بقعة الصمت"، لكي نكون في الوطن المحتل "عشبا يزهو"، ونروي للأحفاد القادمين "سفرا جديدا" نمتطي خيولا لها "صهيلا يدوي.. في أرجاء المدى".
وفي نصها"دعنا" من ديوانها "مرافئ الغيم" نجد أن العنوان هو الكلمة المتلازمة في النص وهي طلب على صيغة التمني وليس الأمر، وفي الشطرات الخمسة الأولى يكون الطلب عبارة عن حلم جميل، التحليق فوق أجنحة الغيوم، قطف الأزهار والزنابق من أرداف الجبال بتشبيه ندر استخدامه بوصف سفوح الجبال، للوصول إلى إشراقة الأيام القادمة، لذا هو حلم يقظة تحلق فيه الشاعرة لأسباب تظهر في الخمسة شطرات التالية، حيث هناك جرح للعمر وسياط السنين وذكراها وندوب المواويل لحكاية نازفة، فالحلم الجميل الذي بدأت الشاعرة النص فيه كان رغبة للخروج من مرحلة زمنية سادها الكثير من الألم والتعب والمعاناة، لتنتقل بنا في الخماسية الثالثة الى الطلب من الآخر وإبداء الرغبة بوضوح، "دعنا.. نصفو"، وهذه اشارة أن الصفاء والهدوء شابه الكدر فأدى في الماضي إلى حكاية نازفة، فالصفاء وحده من يمكن أن يصل بالحلم إلى الفجر الذي يتجلى على وجه الربيع.
لتختم الشاعرة نصها بحلم آخر لا يمكن أن يتحقق بدون المراحل السابقة: الحلم، الواقع والماضي، الرغبة بالمشاركة، للوصول للوحة التي تحلم بها في سبعة شطرات رسمت بها لوحتها الجميلة التي تصبو اليها، حيث تستخدم استعارات جميلة للتعبير مثل: نصير فراشا، ولم تقل نصير كالفراش، نضوع بأنفاسه وبعطر ضفائره فأصبح الحلم ربيعا مزهرا بالورود حيث تحلق الفراشات فوق الأزهار والورود، وبعد عدة تشابيه لغوية رائعة الجمال تصل الى الهدف النهائي: "رعشات للخدر، في موجات سنابله الغامرة"، فالسنابل قمة النضج للقمح وهي استمرارية الأمل وكما قال الشاعر محمود درويش: "وحبوب سنبلة تجف، ستملأ الوادي سنابل".وخلاصة الحديث ان الشاعرة وضعتنا بفضاء نص من عدة لوحات متلازمة لا يمكن أن نحلق بلوحة بدون اللوحات الأخرى، لوحات سادها الحلم والرغبة والماضي والأمل رسمتها بريشة لغوية متميزة بالتشابيه والوصف، فكأنها جعلتنا نستمع لرواية مكثفة لحكاية انسانية مرسومة بالحروف.
وفي نصها في البعد من ديوانها تحت الإنجاز؛ نص آخر تحلق فيه الشاعرة رفعة يونس في فضاءات الشعر، فترسم بريشة روحها من ألوان فضاءات قزح مجموعة لوحات تصهرها بلوحة وهي في البعد كما "نجمٌ ٌيغرقُ في لجّة الانتظارِ"، ففي البعد عن المكان/ الحلم تعيش الروح في "شحوبُ اللحظةِ"، والإنسان في البعد هو النجم الذي تحدثت عنه الشاعرة بتشبيه جميل، لا يمتلك سوى الانتظار وهو يسهر الليالي ولا يمتلك إلا الدمع يترقرق بالعينين مع حكايات المساء في لحظات التذكر والتذكار، والتشبيه بالنجم كان تشبيه قوي وبليغ كونه البعيد في السماء. تنتقل بنا من لوحة الانتظار في اللوحة الأولى إلى اللوحة الثانية التي تصف فيها حالة البعيد عن وطنه/ أهله/ حلمه، حيث "لغة العابرين" تشتعل بجمر الشوق وتجلدها سياط اللوعة، في عمر الإنسان البعيد وهو يتمزق ويتشظى وكأنه قنبلة تنفجر من القهر، وهو يعيش في البعد غارقا بالحنين الذي يسكنه وكأنه يقف على الشرفات ينظر للوطن، والذكريات تعزف بداخله بحزن عزف الناي وت…