تاريخ النشر: 2016-11-25 | 10:31
تاريخ النشر: 2016-11-25 | 10:31
لا يزال الأبطال الميتون، المرفوعون الى رتبة فوق - إنسانية، يلعبون أدوارهم من خلف شواهد القبور. لقد كفوا عن الوجود في هذا العالم المادي، غير أنهم لم يكفوا عن رسم سياساته، لا تحتكرهم ثقافة بعينها، فهم موجودون في كل الثقافات تقريباً: التقليدية والحديثة، الشرقية والغربية، البدائية والمتقدمة. إنهم أولئك الذين يسميهم البعض، كرينيه ديكارت، «أصنام القبيلة»، ويسميهم البعض الآخر «المخلّصين». غير أن ثمة فرقاً أكيداً بين «أصنام القبيلة»، أو «المخلّصين»، في الثقافات التقليدية وبين نظرائهم في الثقافة الحديثة. ففي الأولى، التقليدية، يزداد حضورهم وتألقهم كلما تقادموا في الزمن، بينما يخفت وهجهم، في الثقافة الحديثة، بمرور الوقت، ويحالون الى أرشيف التاريخ على نحو ما جرى، على سبيل المثل، مع ماوتسي تونغ وفلاديمير لينين. في الأولى، يتجاوزون التاريخ الى ما بعده، أما في الثانية، فيتجاوزهم التاريح الى ما بعدهم.
ولأن الثقافات التقليدية تركن الى الإيمان بالخرافي والبطولي، وتنزوي في كهوف اليقين، وتصاب بالذعر من التغيير، فهي، لهذا، تنزع الى استحضارهم كلما نزلت بأبنائها النوازل أو انتابهم قلق وجودي عميق أو اقتربوا من حافة الهاوية.
هذا ما بدا جلياً، عندما استحضر المصريون شخصية «الزعيم الخالد» جمال عبدالناصر، والفلسطينيون «القائد الرمز» ياسر عرفات، وكذلك شخصيات من نمط «الحكيم» جورج حبش و»الداعية الفرد» حسن البنا و»الزعيم الأب» بورقيبة في مناسبات عدة.
طبعاً، نحن نضرب، هنا، صفحاً عن ذكر شخصيات دينية، إذ هؤلاء لا يُستحضرون فحسب، بل تُلقى على كواهلهم مهمة إدارة وترتيب وتنظيم بنية اللاوعي الجمعي ذاته.
ولقائل أن يقول أن الاستحضار يجري بهدف استعادة شيء مفقود مثل فكرة سامية أو قيمة عليا أو هدف نبيل، ولا يجري لذوات الأشخاص بعينهم، بل لما يمثلونه، أو يجسدونه، أو يختزلونه أو يرمزون إليه. غير أن هذا بالتحديد، في واقع الحال، ما يجعل من ذلك الاستحضار ضرباً من ضروب «الوثنية» المقنعة أو من بقاياها القائمة، ذلك أن من مظاهر السلوك الوثني التعبير عن الأفكار والاعتقادات والقيم والمثل المجردة عبر تجسيدها في صور ورموز وشخوص لها دلالة مقدسة. هكذا جسد الإغريق فكرة الحكمة في شخصية «أثينا»، والجمال في شخصية «أفروديت»، والفنون في شخصية «أبولو»، وعلى المنوال نفسه نسج الرومان والعرب القدماء.
لهذا، للمرء أن يستنتج أن خلف تنزيه الشخصيات ورفع مقامهم الى علو سامق وإضفاء مسحة من قداسة عليهم، تتوارى نزعة موروثة عن طوائف «عبادة الشخصية» و»عبادة البطل» القديمة أو ما يدخل في بابها ومن ينسج على منوالها.
يحدث، أحياناً، أن يموت الأبطال ميتة عادية بعد أن يجترحوا ما قد يعتبره الأتباع فعلاً خارقاً أو معجزاً أو بطولياً. ويحدث أن يموت الواحد منهم ميتة تراجيدية. وقد يقتل على يد العدو. لكن، يحدث أحياناً، أن يتواطأ المريدون، أو الأبناء، في ما بينهم أو مع القدر، لقتل «المعلم»، أو «الأب»، وذلك تمهيداً... لعبادته.
عن الحياة اللندنية