تعيش غزة بين الحين والاخر , ازمات متلاحقة تردي بالوضع العام الى ما هو اسوء , و في كل ازمة يتضح للجميع حقيقة الواقع المتهور المعيشي لسكان قطاع غزة , الذي تبقى حياته رهينة التقلبات السياسية و التدخلات الخارجية من ناحية , او رهينة للأزمات التي تعكسها الحكومة الاسرائيلية من خلال تفجر الوضع الأمني على الحدود مع قطاع غزة والدخول في دوامة من العنف من ناحية اخرى , و في المحصلة يكون المواطن الغزي هو الضحية الاولى في وجه هذا الكم من الازمات .
ما حدث في جنين قبل ايام من اغتيال بدم بارد ل 3 من كوادر المقاومة الفلسطينية , تلاقت دمائهم موحدة للدم الفلسطيني الذي عجزت السياسة في توحيد صفوفهم , وهي تدل على همجية الاحتلال و تجاهله للجهود الدولية التي كانت تبذل في واشنطن لإعطاء امد اطول للمفاوضات , جاء اغتيال شهداء جنين احراج للموقف الفلسطيني المتمثل بالسلطة الفلسطينية وليس ذلك فحسب , ففي غزة حيث الموجة الاخيرة من المواجهة بين الاحتلال و المقاومة فيما سمي بكسر الصمت التي ترأستها سرايا القدس الجناح العسكري للجهاد الاسلامي و في رد نوعي للمقاومة اذهل الاحتلال حيث استطاعت الرد على اغتيال 3 من قادتها في اطلاق 70صاروخ الى البلدات الاسرائيلية في يوم واحد وهو ما اعتبر تطور ملحوظ لقدرة المقاومة واثبت انها تقف دائما على استعداد للرد على جرائم الاحتلال , كما اعطى قوة اضافية لحركة الجهاد الاسلامي كون الجانب المصري رفض التواصل مع حركة حماس وتواصل مع الجهاد في مساعيه للوصول لتهدئة بين الاحتلال والمقاومة في غزة , وهذا بحد ذاته مثل احراجا لحكومة غزة و همش دورها كقيادة ابرز تحكم قطاع غزة و ناطق باسمها , واعطى شأن اكثر لحركة الجهاد في ان تكون هي الطرف الناطق باسم المقاومة و القادر على اتخاذ قرار سياسي متعلق بالتهدئة .
اما رد حركة حماس على تلك المستجدات السياسية جاء من خلال مهرجانها الذي احيته قبل يومين تابينا للشهداء العظام , و التي حاولت حماس ان تبين انها ما زالت رائدة العمل الجهادي و انها حريصة اشد الحرص على ان تلقن الاحتلال دروسا جديدة اذا ما سولت له نفسه بتوجيه ضربة عسكرية ضد غزة , وجاءت تصريحات قادة حماس معظمها في هذا السياق ما بين تأكيد و تهديد , وابرز ما اعلنته الحركة هو انها لم تكن يوما ساعية لمنصب او لسلطة و لا تسعى ابدا لهذه الهدف , وانما وجدت للمقاومة وستبقى كذلك , وهو ما يحمل في مضمونه منحى مختلف لما عهدناه عن حركة حماس في السنوات القليلة الماضية , وليس لذلك الا تفسيران وهما انها فقط تروج بعبارات خطابية موجهة لجمهورها لرفع اسهمها داخل مؤيدي المقاومة , واما انها تمهد لما قد يطرأ من مستجدات سياسية على الحركة مستقبلا تجعلها تقدم تنازلات مقابل رفع الحصار الخانق عليها والذي ازداد بشكل خانق .
ان الوضع السياسي العام الذي تمر به القضية الفلسطينية و الذي هو جزء من التناقضات السياسية التي تعيشها المنطقة برمتها , وضع القيادة الفلسطينية في موقف هش جعله يفقد الكثير من ثقة شعبه , و اثبت عدمية المسيرة التفاوضية بفعل التقصير الحقيقي و غباب المسؤولية للجهة المفاوضة التي تتبني هذا النهج مع الاحتلال , وكذلك الحال اتجاه من ينهجون مسار المقاومة بهدف اجندة خارجية او لتحقيق مآرب اخرى ...