ان معركة البقاء والنهوض لا تقام على أنقاض الفردانية، بل على صخرة التضامن والعمل الجماعي الواعي.مرحلة ما بعد الحرب والإبادة لن تكون مجرد عودة لما كانت عليه الأمور، بل هي "ميلاد جديد للوعي الجمعي" تتطلب تكاتف الكل الفلسطيني لتجاوز التحديات الجسام عبر مسارات عملية واضحة:
محاور مرحلة التعافي والانطلاق:
• جبر الخواطر وإكرام أهلنا:
• رعاية الجرحى: الوقوف بجانب المصابين وتوفير احتياجاتهم الطبية والنفسية كأولوية وطنية لا تقبل التأجيل.
• تكريم أهالي الشهداء: حفظ العهد لمن قدموا أغلى ما يملكون، والوفاء لتضحياتهم باعتبارهم ضمير الوطن الحي.
• التكافل في الخيام: تعزيز روح الجيرة والتضامن المجتمعي داخل مراكز الإيواء والمخيمات لتخفيف قسوة النزوح والمعيشة.
• بناء الإنسان عبر التعليم:
• إنقاذ جيل كامل من الضياع الدراسي والعلمي، وإعادة إعمار المدارس والجامعات، وإيجاد بدائل مؤقتة ومبتكرة لضمان استمرار العملية التعليمية، فالتعليم هو الرافعة الأساسية لبناء المستقبل.
• إنعاش الاقتصاد المجتمعي:
• الانتقال من ثقافة الاحتياج والاعتماد على الإغاثة الطارئة إلى الإنتاج الذاتي والتعاوني، ودعم المشاريع الصغيرة والمتناهية الصغر التي تضمن للأسرة الفلسطينية كرامتها واعتمادها على ذاتها.
• الترفع عن الصغائر وتوحيد البوصلة:
• الآية الكريمة "وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى" (سورة الأنعام: 164) هي قاعدة قرآنية كبرى ومبدأ أخلاقي وقانوني إلهي يقرر العدل المطلق، ويصور المسؤولية الفردية؛ فحاصل معناها: أن كل نفس مكلفة ومحاسبة وحدها عن أفعالها، ولا يحمل إنسان ذنب أو خطيئة غيره.عند إسقاط هذه القاعدة على الخلاف السياسي والميداني بين حركتي فتح وحماس، يمكن قراءة الواقع الفلسطيني من خلال عدة زوايا نقدية وإصلاحية:
- مسؤولية الأفراد مقابل المسؤولية الجماعية
• الخطأ الفردي والتصرفات الشخصية: في مسار أي صراع أو تجربة سلطوية، قد يصدر عن أفراد منسوبين لهذا الطرف أو ذاك (سواء في الأجهزة الأمنية، أو الفصائل، أو المؤسسات) تجاوزات أو أخطاء. المبدأ القرآني يمنع تعميم هذه الأخطاء لإدانة التنظيم بكامله، كما يمنع محاسبة عائلة الشخص أو محيطه الاجتماعي بجريرة فعله الفردي.
• العدالة في النقد: يجب ألا يتحول الخلاف السياسي التنظيمي إلى محاكمة جماعية لأنصار الطرف الآخر أو جمهوره العام، فالمواطن البسيط أو الموظف أو الناشط لا يتحمل وزر قرارات قيادية قد تكون خاطئة، والعكس صحيح.
- تداعيات الانقسام على الشعب (حمل وزر الخيارات السياسية)
• على المستوى الوطني العام، دفع الشعب الفلسطيني بأسره -من غير تمييز بين تنظيمي فتح وحماس- ثقيل الأثمان نتيجة هذا الانقسام وتبعاته المعيشية والسياسية والاجتماعية.
• تطبيق روح الآية هنا يدعو القيادات السياسية في كلا الحركتين إلى إدراك أن القرار السياسي هو مسؤولية جنائية وتاريخية وأخلاقية ثقيلة، وأنه لا يجوز بحال تحميل الجماهير وزر حسابات فصائلية ضيقة أو صراعات على السلطة والنفوذ.
- تحرر الوعي الوطني من منطق "الثأر التنظيمي"
• غالباً ما تتغذى الصراعات الحزبية الداخلية على ثقافة "رد الفعل الجماعي"؛ فإذا أخطأ طرف بحق آخر، يسود منطق العقاب الجماعي أو الانتقام الشامل الذي يطال المؤسسات وأرزاق الناس والخدمات العامة.
تأتي الآية لتكسر هذه الحلقة المفرغة، مؤكدة أن محاسبة المخطئ يجب أن تكون شخصية وقانونية وعدلية، وألا تُتخذ مبرراً لمعاقبة القطاع الأوسع من المخالفين في الرأي أو الانتماء.
-المسؤولية أمام التاريخ والأخلاق
سياسياً، كل طرف يتحمل "وزره" وحده عما اقترفته أيديه بحق المشروع الوطني ووحدة الصف؛ فلا يمكن لحماس أن تحمل فتح وزر أخطائها التاريخية أو العكس، بل كلٌ يقف أمام شعبه وأمام التاريخ محملا بمسؤولية قراراته وأفعاله الميدانية والسياسية.
إن الخروج من نفق الانقسام يبدأ بالاعتراف بالمسؤولية الفردية والمؤسساتية لكل طرف عن أخطائه، والتوقف عن سياسة رمي التبعات وتبرير الأخطاء بأخطاء الطرف الآخر (مبدأ: "وإن عاقبتم فعاقبوا بمثل ما عاقبتم به").
طي صفحة الخلافات الجانبية والتنظيمية الضيقة، وجعل الوطن والإنسان الفلسطيني هما الوصلة والمعيار الوحيد.
إعلاء المصلحة العامة على الاعتبارات الحزبية، وفتح صفحة جديدة أساسها الشراكة والمسؤولية الأخلاقية والوطنية المشتركة.
"وليكن الوطن بوصلتنا".. فالتاريخ يكتبه الأبطال الذين يصنعون من الرماد حياة، ومن الألم وحدة وعملاً جماعياً يسبق أي اعتبار آخر.