لم تعد المأساة الفلسطينية تقتصر على الاحتلال وحده، بل أصبحت تتغذى أيضًا على أزمات داخلية متراكمة أنهكت المجتمع وأضعفت مؤسساته. ففي الوقت الذي يواجه فيه الفلسطيني الحصار والدمار والفقر والبطالة، لا تزال الخلافات والانقسامات السياسية تلتهم ما تبقى من جسد الوطن، حتى بات المواطن يشعر أنه محاصر من كل الجهات، بين احتلال لا يرحم، وانقسام لا ينتهي، وقيادات منشغلة بحساباتها أكثر من انشغالها بآلام الناس.
في غزة والضفة، يعيش المواطن تفاصيل معاناة يومية قاسية؛ كهرباء شحيحة، ومياه غير صالحة للشرب، وارتفاع في معدلات الفقر والبطالة، وأسر تكافح لتأمين رغيف الخبز أو حليب الأطفال، ومرضى ينتظرون الدواء، وشباب ينتظرون فرصة حياة لا تأتي. وبين هذا كله، يقف المشهد السياسي جامدًا، عاجزًا عن إنتاج حلول حقيقية تعيد الأمل أو تستعيد ثقة الشارع.
لقد تحولت القضية الفلسطينية، في كثير من المحطات، إلى رهينة التجاذبات الإقليمية والدولية، بينما بقي الانقسام الداخلي أخطر الهدايا التي قُدمت للاحتلال، إذ أضعف الموقف الوطني، وبدد الطاقات، وأفقد المؤسسات قدرتها على القيام بدورها، حتى أصبح المواطن يشعر بأن وطنه يُدار بمنطق تقاسم النفوذ أكثر مما يُدار بمنطق الشراكة والمسؤولية الوطنية.
وما يزيد المشهد مرارة أن كثيرًا من السياسيين لا يظهرون توافقًا إلا عندما يتعلق الأمر بالمكاسب والامتيازات، أما حين يتعلق الأمر بمعاناة الناس أو بالمشروع الوطني، فتعود لغة الاتهامات وتبادل المسؤوليات، ويغيب الحل، ويبقى المواطن وحده من يدفع الثمن.
إن الشعوب لا تطلب المستحيل، بل تطلب قيادة تضع مصلحة الوطن فوق الحسابات الفئوية والشخصية، ومؤسسات تعمل لخدمة الإنسان لا لخدمة أصحاب النفوذ، وبرنامجًا وطنيًا يعيد الاعتبار للوحدة، ويواجه الاحتلال بإرادة موحدة، لا بخطابات متناقضة وصراعات لا تنتهي.
ورغم قتامة المشهد، فإن فلسطين لم تخلُ يومًا من رجال ونساء حملوا ضمير الوطن فوق مصالحهم، وآمنوا بأن القضية أكبر من الأشخاص والفصائل والمواقع. غير أن أصواتهم لا تزال بحاجة إلى مساحة أوسع، وإلى إرادة وطنية تمنحها القدرة على التأثير وصناعة التغيير.
لقد آن الأوان لأن يدرك الجميع أن استمرار الانقسام ليس مجرد خلاف سياسي، بل خطر وجودي يهدد مستقبل القضية الفلسطينية. وأن الوطن لا يمكن أن يُبنى بالمناكفات، ولا أن يُحمى بالمصالح الضيقة، ولا أن ينتصر بقيادات تتصارع على السلطة فيما شعبها يصارع من أجل البقاء.
فالوطن ليس غنيمة تُقتسم، ولا سلطة تُحتكر، ولا منصبًا يُورث، بل أمانة في أعناق الجميع. والتاريخ لن يرحم من قدّم مصالحه الخاصة على حساب شعبٍ أنهكته الحروب، وأتعبته الانقسامات، وما زال ينتظر من قيادته أن تكون على قدر تضحياته وآماله.