تاريخ النشر: 2022-11-03 | 09:01
تاريخ النشر: 2022-11-03 | 09:01
قبل 105 عام من الآن صدر تصريح وزير خارجية بريطانيا، آرثر جيمس بلفور المشؤوم، بنصه الشهير الذي وجهه ل"لورد روتشيلد" بالقول: - يسرني جداً أن أبلغكم بالنيابة عن حكومة صاحب الجلالة التصريح التالي، الذي ينطوي على العطف على أماني اليهود والصهيونية، وقد عُرض على الوزارة وأقرّته: إنّ حكومة صاحب الجلالة تنظر بعين العطف إلى تأسيس وطن قومي للشعب اليهودي في فلسطين، وستبذل غاية جهدها لتسهيل تحقيق هذه الغاية، على أن يكون مفهوماً بشكل واضح أنه لن يؤتى بعمل من شأنه أن ينتقص الحقوق المدنية والدينية التي تتمتع بها الطوائف غير اليهودية المقيمة في فلسطين، ولا الحقوق أو الوضع السياسي الذي يتمتع به اليهود في بلد أخر ". ويضيف بلفور في رسالته لروتشيلد بالقول: "وأكون ممتناً لكم لو أبلغتم هذا التصريح إلى الاتحاد الفيدرالي الصهيوني، وإذا ما أحطتم اتحاد الهيئات الصهيونية علماً بهذا التصريح".
إننا معنيون كفلسطينيين وعرب ومسلمين، ألاّ نتوقف عند التصريح الوعد بالشكل المجرد، وعلينا أن نُدرك أولاّ، أنّ وعداً بكلماته أل 117 كلمة قد زورّ تاريخ وجغرافيا منطقة بالكامل، واقتلع شعباً من أرضه من دون حق أو سند قانوني أو أخلاقي، ليُزرع مكانه شعب أُخترّ، وعُملّ على استجلابه من كل أصقاع الدنيا برواية زُيفت بمعنييها التاريخ والديني، في تطبيق لمقولة (وعد من لا يملك لمن لا يستحق). وهذا ما دفع المؤرخ الكبير (ارنولد توينبي) إلى إدانة بلاده على تقديم وعد بلفور للحركة الصهيونية، معلناً انه كإنكليزي يشعر بالخجل والندم الشديدين على ازدواجية المعايير الأخلاقية التي حكمت سلوك حكومة بلاده في الإقدام على هذه الفعلة المنكرة. وعلينا ثانياً أن نتتبع السياق التاريخي الذي أوصل إلى تبني حكومة جلالة الملكة في بريطانيا هذا التصريح الوعد، منذ ما قبل أن تقوم بريطانيا الاستعمارية بوضع فلسطين تحت سلطة انتدابها أو وصايتها، الذي ومن المؤكد أنه جاء بهدف تسهيل سيطرة الحركة الصهيونية وقطعان المهاجرين اليهود على فلسطين.
بعد أن حُسمت السيطرة داخل الحركة الصهيونية لجناح الصهيونية السياسية بقيادة الإرهابي "تيودور هرتزل"، تمّ تحديد الخيارات الصهيونية، ومفادها أن حل المسألة اليهودية لن يتم بالهجرة والاستيطان فقط، وإنما أيضا بمساعدة واعتراف دوليين. ولأجل حسم هذه الخيارات وتكريس توجهها في السيطرة على فلسطين، كانت الحركة الصهيونية قد عقدت 11 مؤتمراً لها. وهذا ما عبر عنه "هرتزل" في المؤتمر الصهيوني الثالث عام 1899 بالقول: "تتجه مساعينا صوب الحصول على براءةٍ من الحكومة التركية بحيث تأتي هذه البراءة في ظل سيادة صاحب الجلالة السلطان العثماني. وحين تصبح هذه البراءة في حوزتنا، شرط أن تشتمل على الضمانات القانونية العامة اللازمة، يمكننا آنذاك الشروع في استعمارٍ عملي واسع النطاق. وسوف نجلب للحكومة التركية منافع كبرى لقاء منحها إيانا هذه البراءة".
ففي عام 1908 قدّم الوزير البريطاني (هربرت صاموئيل)، وهو "سياسي بريطاني يهودي، وأول مندوب سامِ بريطاني في فلسطين. وُلد لعائلة يهودية أرثوذكسية تعمل بتجارة الذهب والأعمال المالية"، مذكرة اقترح فيها تأسيس دولة يهودية في فلسطين تحت إشراف بريطانيا شارحاً ما ستجنيه بريطانيا من قيام هذه الدولة في قلب العالم العربي والقريبة من قناة السويس. وقد وافق العديد من سياسيي بريطانيا على هذه المذكرة ومن بينهم (لويد جورج وآرثر بلفور). وقد صدر تصريح بلفور الذي شكّل محطة رئيسية في تاريخ الاستيطان الصهيوني، وبالتالي القضية الفلسطينية، في سياق الحرب العالمية الأولى، بأسبابها وأهدافها، حيث عقدت خلال الحرب العالمية الأولى عدة لقاءات سرية بين الحكومة البريطانية وزعماء الحركة الصهيونية للوصول إلى اتفاقٍ بشأن منح فلسطين لليهود. ولإعطاء جرعة قوية لهذه المحادثات، وتشجيع ساسة بريطانيا الاستعمارية نشر "حاييم وايزمان" رسالة في تشرين الثاني من العام 1915 في صحيفة (المانشستر غارديان)، قال فيها: (إذا دخلت فلسطين ضمن منطقة النفوذ البريطاني، ووافقت الحكومة البريطانية على تشجيع إسكان اليهود فيها، فانه يمكن أن يصير لنا فيها خلال عشرين أو ثلاثين عاماً نحو مليون يهودي أو ربما أكثر من ذلك فيشكلون حراسة عملية قوية لقناة السويس). وفي تشرين من العام 1917، أرسل (حاييم وايزمان) إلى وزارة الحرب البريطانية، قال فيها (نعلن لكم بصراحة واحترام، أننا نترك بين أيديكم مصيرنا الوطني الصهيوني آملين أن تنظروا إلى قضيتنا في ضوء مصالح الإمبراطورية البريطانية).