لا يخفى على احد ، الواقع المرير الذي يعيشه الشباب الفلسطيني ، خاصة في هذا الوقت تحديدا ، هذه الحقبة السياسية الاسوأ التي تمر على شعبنا ، و تنعكس على الجميع بلا استثناء ،في كافة مناحي الحياة ، و يدفع الجميع ثمنها ، لاسيما الشباب ، الفئة الاكثر تعرضا للتهميش و الاضطهاد ، هذه الفئة التي يفترض ان تكون عماد المجتمع ، و المعول عليه اولا و اخيرا في مصاب هذا الشعب ، كونه يخضع للاحتلال و تقع على كاهله مسؤوليات جسيمة ، تجعله في وضع يختلف عن غيره من شباب الشعوب الاخرى ، فالشباب هم العصب الاساسي لأي مجتمع ، و هم رمز التضحية و العطاء و منارة التحرير من قمع الاعداء و دحر المحتل ، لكن المطلع عن كثب حول حالة الشباب الفلسطيني و تحديدا في غزة ، يلاحظ كم هي متعبة و منهكة و بائسة هذه الفئة اليوم ، تعاني من كل جانب و على اكثر من صعيد ، الاحباط و اليأس و انعدام الامل ، نظرا لمسببات واضحة على المشهد الفلسطيني برمته ، لاشك ان الاحتلال هو المسبب الاول و الاخير لحجم المأساة التي ترهق الشباب ، لكن لا يمكننا ان نتغافل عن المسببات الاخرى و التي اوصلتنا لوضع اصبحت فيه رؤية الشباب اما مشوشة و ضائعة ، او تجابه بالقمع و تقييد الحريات .
لا شك ان من الطبيعي ان يتعمد اي احتلال في العالم او جهة معادية داخلية او خارجية كانت ، اذا ارادت تحقيق مرادها و اهدافها ان تقوم بداية بأضعاف قوة الشباب و تدميرها ، بصورة مباشرة او غير مباشرة ، و لا شك ان الاحتلال الاسرائيلي يسعى ليل نهار لتحقيق هذا الغرض و النيل من شبابنا ، و هناك العديد من الوسائل القذرة التي استخدمها الاحتلال للايقاع بفئة الشباب ، مستغلا حالة الضياع والاحباط التي يعاني منها الشباب ، كانتشار المخدرات مثلا و شيوع ظاهرة المتاجرة بها و التي اصبحت تجارة حرة يستفيد منها شريحة لا بأس بها ، و برغم من ان المسؤولين في غزة يعملون للحد من هذه الكارثة التي تدمر بنية المجتمع ، الا ان للاسف بعض العائلات التي لا تجد مصادر لاكتساب المال للعيش ، لا يجدون الا هذه السبل الرخيصة المدمرة ، التي لا تقف نتائجها على تدمير الشباب ممن يتعاطاها فقط ، بل تعمل على انحلال اسر و عائلات بأكملها .
شباب غزة اليوم ، و اخص بالذكر تحديدا هذه البقعة الجغرافية الاكثر بؤسا و معاناة ، ذات الحظ الاكبر من مآسي شعبنا ، لما تعانيه من ازمات مضاعفة و غير متناهية ، خاصة بعد الحرب الاخيرة ، و ضبابية الرؤية للمستقبل القريب ، و هل هناك جدية في اعمار ما يمكن اعماره ، كل ذلك يزيد عزلة شباب غزة عن العالم الخارجي ، و يجعله مثقل بهمومه التي توارثها عن اجداده ، فيما يتعلق بقضيته و مصيره كشعب فلسطيني ، و واقع جديد فرض عليه غصبا ، و هو واقع الانقسام و انشطار الوطن ، الذي شطر معه احلام العديد من الشباب و طموحاتهم، ناهيك عن الواقع الحزبي الذي لا يتوقف عن تغذية المجتمع بالفكر الحزبي العنصري من خلال تقسيم شرائح المجتمع حسب الانتماء الى الاحزاب ، فتختلف رؤية الشباب للواقع نظرا لأختلاف انتمائهم الحزبي ، نعم نفتخر في غزة لأننا من اكثر الشعوب تعلما و اكتسابا للعلم ، لكن بعد ذلك يزداد الشباب حيرة عندما يتفاجئ بواقع البطالة و تسيس الاتجاه الوظيفي ، رجوعا للدائرة المفرغة من غياب الامل في تغيير الواقع نحو الافضل ، حتى التفكير بالهجرة الذي اصبح الشغل الشاغل لسكان القطاع ، في ظل الحصار المحكم على غزة بات امر في غاية الصعوبة ، و هنا لابد ان يلتفت المسؤولين اي كانت وجهتهم السياسية ، سواء من الضفة او من قطاع غزة ، الاهتمام بما يعانيه شباب غزة اليوم ، وان يساهموا جديا بحل يساهم في ازالة مسببات المعاناة التي يعانيها سكان قطاع غزة خاصة فئة الشباب ...