تاريخ النشر: 2016-10-10 | 16:44
تاريخ النشر: 2016-10-10 | 16:44
يسقط الليلُ نهارياً على الشتاء، فيغطّي شحوبهُ المدائن والقرى !! وثمة مَنْ تدخُل بكامل سندس العشرين، يتفلّت من غيمها رذاذ البرق، فيطيب المطر خلف الشباك.
كيف لحديقة البحر أن تترك عرائسها هكذا نهباً للعيون؟ هل كان لا بدّ للشاعر إلا أن يلتقي صدفةً بجديلتها المرعبة، حيث يتذكّر جلسة أُمّه وجاراتها في ذلك المخيم الذي ملّ البكاء؟
أكاد منذ توالي أخبار الموت أقذف بكل هذا، لكنني لم أتقن البكاء بعد، أو كأنه لا يليق بالرجال الذين تعوّدوا الثنائية في كل شيء.
يسقط الليلُ ورنّة الأغنية البعيدة جارحة إلى حدّ السطوع والقشعريرة، وماذا عساي أفعل الآن في هذا النهار المعتم، وأمامي موقدة المقهى تتضوّر حزناً على جذع الزيتون ، الذي إن تجاوزته أنياب الفولاذ، فإن النار ستأكله كالحسد البغيض؟!
أشرب كأس البابونج وصديقي يحترق بنبيذ بعيد، علّه يلاقي أُمَّه ذات مساء، في شتاء قصيّ ، وأمامها تبتهج النارالمخلوعة برضا من أرضها القديمة إلى أهلها الأقدم.
بي رغبة شرسة في البكاء الممتدّ، علّني أصالح الحزين فيّ، وهل سينتهي الحزن بالبكاء؟ أم يتجدد خفيفاً متحملاً ومعقولاً، أيضاً ؟
أرجو ذلك.
وصديقي الذي أهمل ذقنه منذ أيام كثيرة ينسى أن يأكل، أو يتسلّم راتبه، أو يلتفت لغزالةٍ يسيل دمُها على خدّيها دون قصد. صديقي هذا أُحِبُّ سحابات الحزن اليابس في وجهه، ويذكّرني بقسوة كلّ شيءٍ حولي، وأكاد أحمل كفيّ وأحضن وجهه وأرجوه أن ينسى أمّه قليلاً، حتى لا أختنق بطحين الدمع المحبوس في محاجري، أو أن يترك زوجته تحمل منه رغم الموت.
صديقي المجنون الطيّب الحزين المأخوذ بجناح الشيطان البريء، الموجوع دون إرادة، الوحيد بين أشجار الوجوه المعدنيّة، والباكي وحده على وسائد الليل. صديقي الذي يختزل في دمعتيه نشيج كل الرجال والنساء الذين ينظرون صغارهم في المنافي يوم العيد، ولا يطرق بابهم أحد، كأنهم وهو فيهم وحدهم في أرض الغبار الواسعة، غرباء تكاد قلوبهم تحتشد بالماء الذابح. صديقي هذا نقطة في سطر طويل طويل طويل ، لكني أبصر آخرته وأرى طفلة تحمل طبشورة بيضاء، تكتب كلمات جميلة ، تشبه الأزهار البريّة ورائحة تراب المطر ، فيما يتلاشى السطر الأسود من لوح الحياة.
أرى صديقي يقبّل يدَ أُمّه وهو يبكي فرحاً، ويعانقها فتمسح بيمينها رأسه وتطمئنّ أنّه لم يكبر !! لأن صديقي يصبغ شَعره بالحنّاء الأسود، حتى يكون دمع أمّه أكثر بهجة وهي تحضنه وتحضن زوجه وولده، فيما يتركون جميعهم خلف ظهرهم الموقد وهو ذاهب إلى نومه، بعدما جمع جناحيه وأطفأهما في الرماد، رماد السنين التي لن تعود.