تطورات السياسية والعسكرية التي حصلت في اليمن أضفت على المشهد العام في المنطقة العربية الذي يعيش حالة صراع داخلي بعدا اضافيا خطيرا وهو شيء طبيعي ينسجم مع التنوع الطائفي الذي يعيشه هذا البلد العربي العريق فاليمن أحدى الدول العربية التي تعاني من التنوع الطائفي بالإضافة طبعا إلى طبيعة تكوينه القبلي العريق حيث منذ فجر التاريخ واليمن يشكل مستودعا للظاهرة القبلية العربية التي تمتد لتشمل باقي شبه الجزيرة العربية وكذلك أجزاء من بلاد الشام والعراق اما التنوع الطائفي فهو يتمثل في وجود أقلية شيعية على اجتهادات المذهب الزيدي وهو أقل المذاهب الشيعية تطرفا فيما يتصل بالخلاف المذهبي بين الشيعة وأهل السنة والجماعة وبسبب هذين العاملين القبلي والطائفي تعثرت الثورة الشعبية التي اجتاحت اليمن فيما عرف بثورات الربيع العربي بتحقيق الانتقال الديمقراطي ذلك لان إسقاط النظام السياسي الاستبدادي الذي كان يترأسه علي عبد الله صالح قد فتح البلاد على جملة من الصراعات الداخلية وان شعار تحقيق هدف الديموقراطية وتداول السلطة التي رفعته القوي السياسية اليمنية كشعار ناظم قد تم استغلاله وتوظيفه بعد ذلك لتحقيق أهداف ومصالح جهوية وقبلية وطائفية وهذه اشياء بعيدة في شكلها ومضمونها عن ممارسة الديمقراطية ..بعد خلع علي عبدالله صالح من سدة الحكم تولى رئاسة الجمهورية نائبه عبد ربه منصور هادي وهو ما لم يحدث في بلدان الربيع العربي الاخرى لأن تعيينه جاء لتلبية رغبات عربية وإقليمية ودوليه لتغيير شكلي يطال رأس الحكم فقط وهو حل تلفيقي التفافي حول مسألة الحكم والديموقراطية سعت إليه المبادرة الخليجية املا في استمرار السياسة اليمنية في تبعيتها لما يخدم المصالح الأمريكية والغربية والخليجية في محاربة تنظيم القاعدة الذي يشكل اليمن بؤرة إرهابية كبيرة له يهدد بها أمن دول الخليج النفطية الغنية والتي ظلت بمنأى عن تأثير ثورات الربيع العربي باستثناء مملكة البحرين الصغيرة التي شهدت احتجاجات شعبية بسبب غالبية سكانها الشيعة لكنها أجهضت من قبل النظام السياسي التي تحكمه العائلة المالكة السنية وبدعم عسكري سعودي .. وبهذا الحل التلفيقي الالتفافي ظل النظام السياسي اليمني على حاله فيما يتعلق بالسياسات الخارجية وغابت بعد ذلك عملية الديموقراطية عن المشهد السياسي وظلت مشاركة العديد من الأحزاب السياسية بعيدة عن الحكم كما ظلت أركان الدولة ومؤسساتها على وضعها السابق من الولاءات القبلية والجهوية خاصة المؤسسة العسكرية التي بقى ولاء بعض قطاعاتها القوية على علاقة بالرئيس السابق المخلوع على الرغم مما قام به الرئيس الجديد من تعيينات جديده في هذه المؤسسة وهكذا كان من السهل على الحوثيين الشيعة أن يستولوا في زحفهم العسكري المدعوم بإمكانيات إيرانية عسكرية على العاصمة صنعاء وبعد ذلك يقومون بالانقلاب على السلطة الشرعية من خلال الإعلان الدستوري وهو الإعلان الذي يؤذن بالاستيلاء على سدة الحكم ساعدهم في ذلك الفراغ الدستوري الذي أوجده اعتزال الرئيس عبد ربه منصور هادي بسبب عدم تمكنه من قيادة الدولة وكذلك تحالفهم مع أنصار الرئيس السابق علي عبدالله صالح وهو ما جعل الجيش اليمني لا يبدي مقاومة شديدة للزحف الحوثي ..مشهد سياسي وأمني درامي لم يكن متوقعا جعل اليمن اليوم بعد هذا الإعلان الدستوري الحوثي والسيطرة الفعلية لاصحابه على مفاصل الدولة ، جعل اليمن بالفعل في مركز الاستقطاب الإقليمي والدولي بحكم العلاقة المذهبية الطائفية الي تربط الحوثيين الشيعة بإيران احدى القوى الإقليمية الرئيسية القوية في المنطقة و التي تسعى لتصدير مشروعها السياسي الديني بعد انتصار الثورة الاسلامية فيها وإسقاط نظام الشاه الحليف للغرب وهو مشروع يتعارض في طبيعته مع المذهبية السنية وايضا لا يتوافق مع الفكرة القومية العربية وبذلك ارتبط هذا المشروع الإيراني الذي يعبر رغم طابعه الاسلامي عن طموحات النزعة القومية الفارسية ..ارتبط منذ البداية بمشاعر التوجس والحذر من البلدان العربية الخليجية وبعلاقة عدائية مع الغرب الرأسمالي المسيحي ووجود اليمن تحت حكم الحوثيين وبالتحالف مع أنصار الرئيس السابق من شانه أن يجعل منه بؤرة متفجرة بحكم الصراع الطائفي والقبلي ووجود نزعة انفصالية يقودها الحراك الجنوبي وهو صراع ايضا تسوده ظاهرة التبدل في التحالفات بين قواه واحزابه السياسية التي من شأنها إرباك المشهد السياسي و إلى استفحال الأزمة السياسية والانزلاق بعد ذلك نحو الفوضى والاحتكام إلى العمل المسلح الذي يؤدي الى انهيار الدولة كما يحدث الآن في كل من سوريا وليبيا وهي الازمة التي لم تفلح الأمم المتحدة حتى الان في وضع حلا نهائيا لها على الرغم مما أشيع مؤخرا عن صياغة اتفاق بين القوي السياسية بشأن مسألة الحكم و حول المستقبل السياسي للبلاد ..انه وضع في الواقع لم تشهده الحالة اليمنية منذ القضاء على النظام الملكي فيها وإعلان الجمهورية بتفجر ثورة سبتمبر بقيادة المشير عبد الله السلال وذلك في أوائل عقد الستينات من القرن الماضي وهي الثورة التي أشعلت في حينها استقطاب عربي محلى في المنطقة أسفر عن حرب دامية استمرت سنوات بين قوى النظام الملكي المنهار الموالي لسلطة الامام التي كانت تدعمه السعودية بشكل خاص والثورة اليمنية الوليدة التي وجدت الدعم العسكري من مصر الناصرية حيث تلك المرحلة شهدت صراعا سياسيا بين القوى القومية العربية والقوى الرجعية في المنطقة غير ان أخطر ما في الأمر الان هو هذا الاستقطاب الجديد الذي يتجاوز في شكله ومضمونه الاستقطاب العربي الماضي و هو تحول اليمن لصالح المشروع الديني الإيراني ذي الطابع الطائفي والذي جعل من إيران أحد أركانه الرئيسيه والذي تعقد دفة القيادة له ..جعل منها مركز قوة هذا المحور الرئيسية في عملية التمدد ليضم كل من العراق والنظام السوري وحزب الله وهو ما ينظر إلي هذا الاستقطاب الذي اصبح اليمن جزءا منه بعد سيطرة الحوثيين الشيعة المرتبطين في ولائهم الديني والسياسي والعسكري بطهران ..سيجعل منه عامل يهدد استقراره ووحدته الوطنية خاصة في ظل عودة الرئيس عبد ربه منصور هادي إلى المشهد السياسي من جديد وظهوره في عدن ليمارس صلاحياته كرئيس شرعي ضد الانقلاب الحوثي ونظرا لما يحدثه هذا التحول في اتجاهات النظام السياسي الحالي اذا ما استمر انفراد الحوثيين في الحكم وعدم الوصول إلى اتفاق سياسي مع باقي القوى السياسية من استعداء للمحيط العربي ذي الغالبية السنية المغاير الذي من حوله ..