تاريخ النشر: 2018-07-15 | 16:45
تاريخ النشر: 2018-07-15 | 16:45
في محاولة لرصد الظواهر السياسية وخط سير الادارة الامريكية الاستراتيجي في جملة قضايا الكون يدرك المرء ان هناك انحدارا واضحا ما بعد القمة التي بلغتها الادارة الامريكية عشية انهيار الكتلة الاشتراكية.. فلقد كان الغرور الكبير التي تحكم في صانع القرار الامريكي بان الصراع انتهخى لصالح الامبريالية الامريكية بلغ مبلغه لتندفع القوات الامريكية في ان واحد لاحتلال بلدين مسلمين افغانستان والعراق بقوة طاغية.. وبعد مايقارب 30 عاما نكتشف ان تبدلات عميقة تحصل على خريطة العالم السياسية ومناطق النفوذ والقوى النامية.
لم يتوقع واضعو الإستراتيجية الأمريكية في المشرق العربي ان انهيارات مريعة ستلحق بهم في سنوات قليلة رغم كل الأجواء المساعِدة للهجوم الغربي على الأمة، فبعد ان اقتحمت جيوش الولايات المتحدة الأمريكية بغداد واستطاعت توجيه ضربة عنيفة الى أقوى الجيوش العربية.. لم يطل الوقت فكان صيف 2003 بداية تبخر الأحلام الأمريكية فما كان العراق- كما وصفه لها العملاء والأدلاء والحلفاء والأصدقاء الإقليميون- سهلا طيّعا منهارا بل كان العراق منذ اللحظة الأولى ثورة ومقاومة قل نظيرها في العالم كما وصف جنرالات الاحتلال الأمريكي حيث بلغت جملة الأعمال العسكرية أكثر من ألف عمل عسكري يوميا جعل العراق جحيما يلف بجيوش الولايات المتحدة الأمريكية.. لم يجد المقاومون العراقيون البواسل يومها الا إخوانهم السوريين يفتحون لهم الديار والقواعد العسكرية والإمداد لتكون دمشق كعادتها الأصيلة عونا لكل مقاومة عربية بلا تردد..
وبعد ان وضعت الحرب أوزارها أو كادت بدأ المخطط الأمريكي مستغلا تحرك الشعوب من اجل مزيد من الحرية وتحسين شروط المعيشة وإصلاح النظام السياسي في بعض البلدان العربية ودست المخابرات الأمريكية بأساليبها لتحطيم الدولة العربية وتوزيعها على اثنياتها القومية والثقافية وحركت لانجاز مهماتها القذرة طوابير من العملاء في مواقع مختلفة من المسئولية وظنت الإدارة الأمريكية أنها بذلك ستحقق هدفين متكاملين الأول تدمير الدولة العربية وتشتيت الناس على إثنياتهم من وإغراق في بؤسهم واحترابهم المتوالي هذا من جهة، وتسهيل عملية نهب المواد الخام وثروات الأمة بلا رقيب او حسيب.
جاء ترمب على نهاية المرحلة متفاجئا ان الإدارة الأمريكية أنفقت على هذه الحروب أكثر من 7 تريليون دولار (7 آلاف مليار دولار) الأمر الذي ألحق بالخزينة الأمريكية عجزا متفاقما وألحق بالمؤسسات المالية أضرارا بالغة نتج عنها ما كاد يشبه الكساد العظيم اذ اتجهت كثير من البنوك إلى الإغلاق بعد ان أعلنت إفلاسها وكذلك كان حال شركات العقار في ظل ارتفاع قيمة الضرائب على المواطن الأمريكي.
وقف ترمب وهو من طبقة الاقتصاد المعتمد على البنوك والعقارات ليقول بوضوح ان الادارات الأمريكية السابقة لم تكن تدافع عن مصالح الولايات المتحدة إنما عن مصالح طبقاتها الاقتصادية حيث ان انتماءها يرجع الى اقتصاد المجمع الصناعي الحربي الأمريكي وشركات النفط.. وأعلن ترمب ان أمامه هدفا محددا وهو إزاحة الديون عن الخزينة الأمريكية عن طريق آخر غير ذلك المعتمِد على ارتفاع قيمة الضريبة وتساءل بوضوح: "كيف يمكن ان نقوم بأعمال حربية للدفاع عن دول الخليج العربي ونستعيد الكويت من صدام حسين ونعطي الكويت للكويتيين؟ لقد كان من المفترض ان نحصل على 50 بالمائة من نفط الكويت لمدة خمسين عاما".
هنا أصبحت الإستراتيجية الأمريكية تسير بنحو مختلف تماما حيث أصبح استرداد الخسارة أهم هدف أمام القيادة الأمريكية الحالية ولم تنظر بعين الاحترام الى أي نظام في المنطقة ولم تُقم له أي شان في المراعاة فوقّعت الصفقات مع أطراف في المنطقة تحت سطوة التهديد بالملاحقة والعقاب (قانون جاستا) ووجدت ضرورة الخروج من ملفات الاشتباك الذي سيلحق بها خسائر مادية فادحة كما هو الملف السوري حيث لم تجد المناورة كثيرا في التعامل مع الروس بتحديد خطوط حمر للتحرك الروسي الذي دخل في الملف السوري بناء على تفاهمات عميقة مع كل الأطراف.. انسحبت الإدارة الأمريكية من الملف السوري شيئا فشيئا لم تدافع عن الأكراد ولم تدافع عن قوات المسلحين الحليفة لها في الجنوب ولم تهتم كثيرا بالمجموعات المسلحة في شرق الفرات تاركة أمرها لأقدارها التعيسة او لحلفائها في المنطقة تركيا التي باشرت معالجة الملف الكردي.. وطالبت الولايات المتحدة دولا عربية بدفع أربعة مليارات دولار لدعم المجموعات المسلحة الموزعة في شرق الفرات والتنف.
لقد أصبح واضحا تماما ان الإدارة الأمريكية تنسحب شيئا فشيئا من الملف السوري مع كل ما فيه من مغريات ليس أهمها النفط والغاز الذي تم الكشف عنه في سواحل سوريا ولكنها انسحبت مع محاولة دفع السوريين الى الالتزام باشتراطات سياسية وتكوينية عديدة أهمها التخلي عن دعم المقاومة الفلسطينية واللبنانية وعدم السماح ان تكون سورية موئلا للمقاومتين.. ولعل هذا كان احد أهم الأسباب التي دفعت بالولايات المتحدة في ظل إدارة أوباما ومن خلال أدواته في المنطقة الى التحرك لإغراق سورية في فوضى خلاقة وتفسيخ جنوني.. فلم تعش سورية قط لحظة هدنة مع العدو الصهيوني فهي ان جمدت جبهة الجولان لحسابات إستراتيجية لاسيما بعد خروج مصر الى كامب ديفد فلقد عملت بدأب لتقوية جبهات اخرى مرهِقة للعدو؛ الجبهة اللبنانية والجبهة الفلسطينية.. فلن تنسى الإدارة الأمريكية ولا الكيان الصهيوني ان الأرض السورية كانت تختزن قواعد المقاومة الفلسطينية بشتى عناوينها وان سوريا هي البلد العربي الوحيد الذي فتح بلاده لحركة المقاومة الإسلامية الفلسطينية واللبنانية فيما تخاذل او جبن او تآمر آخرون عليها واتهموها بانها "حركات إرهابية".
اجل، وجهت الإدارة الأمريكية من خلال أدواتها في المنطقة ضربات عنيفة للدولة السورية وأنزلت فيها مواجعَ من الصعب البرء منها وكادت البلد تصبح عشرات الدويلات في كل جزء منها راية وعلى كل راية أمير وزعيم.. وفي إطار الحسابات الإستراتيجية الكبرى جاء تدخل الروس إدراكا منهم بان الدفاع عن وحدة الأرض السورية والدولة السورية إنما هو دفاع عن مستقبل روسيا الذي تحاول الادارات الغربية إغراقه في الفقر والتفتت بتحطيم تفرد الروس بالغاز المورد لأوربا.. ومن العبث تصور ان الروس جاءوا لدعم الدولة السورية وفقط فمثل هذا الكلام لا يقول به الا السذج من الناس.. وأيضا لابد من الانتباه إلى ان روسيا لا تخلّ بالتزامها بوجود "دولة إسرائيل" فالروس اول من اعترف بإسرائيل وان كانت روسيا تدعو لحل الدولتين وانسحاب إسرائيل من قطاع غزة والضفة الغربية والجولان الا انها لا تسمح بتجاوز ذلك ابدا ويمكن الإشارة إلى ان الروس أكثر ضامنين لوجود إسرائيل في حين يمكن القول ان الغربيين هم أكثر الضامنين لدور إسرائيل في المنطقة والإقليم.
يمسك الروس الآن بعنق كل الملفات الإقليمية بعد إن فرضوا ضغطا عسكريا سياسيا كبيرا على الأتراك بعد حادثة الطائرة الروسية، واستطاع الروس إدارة علاقة مع الأتراك تستطيع تحييد قوة الأتراك إلى حد بعيد الأمر الذي يقابله تخبط في إدارة أمريكا لعلاقاتها بتركيا.. بل ووصل امر الروس ان يوقعوا صفقات سلاح متطور مع قطر لإحداث توازن مع السعودية ويوقعوا اتفاقيات بخمسين مليار دولار مع ايران للاستثمار فيها ردا على محاولة امريكا محاصرة ايران.
صحيح ان ترمب غير تقليدي في سياساته وقراراته وهذا يعطيه قدرة كشف حجم قوة الخصم ويعري المنتفخين بأوداجهم على شعوبهم ويُظهرهم على حقيقتهم، الا انه أيضا في ظل صراعات دولية تحتاج الى كثير من التكتم على الأهداف الحقيقية يبدو وكأنه يفضح الولايات المتحدة الأمريكية كما قال وزير الخارجية الأمريكية السابق "ّكيري" مؤخرا.
إن العراق يستعيد عافيته رغم بقايا الجروح والدمامل، وسورية تسير نحو لأم جراحها واستعادة أطرافها بعد ان استفادت من تحالفاتها الإقليمية والدولية في التصدي لأعتى موجة مسلحة عابرة للقارات والدول.. وفي فلسطين مقاومة شعبية ترى في الإدارة الأمريكية أسّ البلاء وأنها هي من يواجه الشعب الفلسطيني على الأرض.. وهنا مربط الفرس حيث تمتد روح المقاومة والرفض في الشعوب العربية والأحرار في العالم لإسقاط النموذج الأمريكي.. تولانا الله برحمته.