تاريخ النشر: 2020-05-04 | 19:19
تاريخ النشر: 2020-05-04 | 19:19
في ساعات الغروب من يوم الاثنين 29/ أكتوبر/1956 في الساعة الخامسة بعد الظهر سمعت أصوات قاذفات وغارات. جمال عبد الناصر يشترك في احتفال بعيد ميلاد ابنه عبد الحميد. برقية يتسلمها ليعرف بأن إسرائيل تتقدم بوحدات عسكرية لمهاجمة منطقة الكونتيلا، معركة حامية الوطيس تدور في سور الحيطان. طائرة بريطانية من طراز كانبيرا للاستطلاع شوهدت فوق منطقة بحيرة البردويل. السفير الأمريكي يصدر أوامره بترحيل كل الرعايا الأمريكان من مصر. ماذا يحدث؟
بدأت الشكوك والارتياب من الأحداث، جاء الصوت الذي قطع الشك باليقين إنذار بريطاني – فرنسي يطلب من مصر الابتعاد بقواتها إلى الغرب من قناة السويس والسماح بنزول القوات البريطانية الفرنسية.
اذاً اتضح الموقف تواطؤ بريطاني – فرنسي-إسرائيلي اجتمع ضد مصر وعبد الناصر بعد تأميم قناة السويس.
بدأت الاحداث تتراءى أمام عبد الناصر عشرات من الأسئلة التي وضعت في مخيلة الزعيم، الكل ينتظر ما سيكون عليه الرد، الكل ينتظر. فرسان العدوان توقعوا بتراجع عبد الناصر وإذا أصر على المقاومة فإن المظاهرات ستخرج إلى الشوارع لتسقط النظام وتأتي بآخر تستطيع التعامل معه. بعض الدبلوماسيين ينصحون عبد الناصر بتسليم نفسه للسفارة البريطانية انقاذاً لمصر. وجاء الرد على لسان عبد الناصر (لو أن المستهدف أنا لضحيت بحياتي ولكن لست أنا، إنها مصر).
رفض عبد الناصر الإنذار وبدأ بوضع الخطط لإنقاذ البلاد، وتم تعطيل القناة وتوقف شريانها عن الضخ، بدأت الكتائب المصرية بالاستعداد للقتال، والحرب الشعبية تجري على قدم وساق، قام بإبعاد الطيارين عن سماء المعركة حفاظا على حياتهم.
بدأت الجلسات تعقد في أروقة الأمم المتحدة والرأي العام العالمي بدأ بالاستنكار. انذار يوجهه الاتحاد السوفيتي في الساعة الأولى صباح 6/ نوفمبر، كان الإنذار إنذارين أحدهما موجه لكلا من فرنسا وبريطانيا والآخر لإسرائيل ومهما كان يعني هذا الإنذار فقد كان له أثره على أطراف التواطؤ والعدوان الثلاثي. الكل قلق والعالم متوتر، ماذا بعد التهديد السوفيتي؟ التساؤلات كثيرة حول جدية الإنذار.
نصح مستشار ألمانيا الغربية رئيس الوزراء الفرنسي (غي موليه) قائلاً (أرجوكم كصديق لفرنسا أن تنظروا في هذا الموضوع دون أية محاولة لخداع النفس. إن الأمريكيين لن يهرعوا لمساعدتهم بالرغم من حلف الأطلنطي.
ولاستيضاح الأمر دخل السفير الفرنسي للقاء ايزنهاور الذي ظهر شاحب الوجه وعصبي المزاج وكرر للسفير الفرنسي قوله (يجب أن تنسحبوا من مصر لا سبيل أمامنا الا أن نلتزم بميثاق الأمم المتحدة) وأردف قائلاً (اسمح لي أن أقول لك .... إن الحياة مثل سلم بدايته على الأرض وطرفه العلوي يصعد إلى السماء وأنا قريب من نهاية السلم وأريد أن أقابل خالقي بأيد نظيفة لم تلوثها جريمة حرب نووية عالمية).
وجاءت الكلمة الأخيرة من واشنطن على شكل خطاب من الرئيس الأمريكي إلى بن غوريون قال فيه: (انه لو صحت التقارير التي تصلنا عن رفضكم الانسحاب ... سوف يكون من دواعي اسفي أن تضطرنا سياسة إسرائيل إلى اتخاذ موقف يؤثر في التعاون الودي القائم بيننا) فما كان من بن غوريون أن رد عليه بالحرف الواحد (إنك سوف تجد إسرائيل مستعدة للقيام بدورها المتواضع إلى جانب الولايات المتحدة من أجل تعزيز العدل وتقوية السلام). كما رفضت الولايات المتحدة كل الاقتراحات التي قدمها الاتحاد السوفيتي لوقف العدوان الثلاثي حيث أرسل بوليغانين برسالة إلى ايزنهاور يقترح فيها تشكيل قوة سوفيتية أمريكية مشتركة وكان مجرد الإعلان عن هذه القوة كافياً لوقف العدوان. رفض ايزنهاور ورفضت الولايات المتحدة كل الاقتراحات التي قدمها الاتحاد السوفيتي لوقف العدوان الثلاثي بحجة أنها ليست مع أي حل يتم خارج نطاق الأمم المتحدة. تساؤلات تطرح أسئلة تنتظر الإجابة. أيعقل؟ ماذا حدث لأمريكا لنجدها في الاتجاه المعاكس لحلفائها؟ تنظر من خلف الستار، تدعو حلفائها للانسحاب ماذا يجري في المطبخ السياسي الأمريكي؟ وهل ننسى أو نتناسى دورها في الأحداث العالمية والتي لولا تدخلاتها لوجدنا خريطة جديدة للعالم وقوى أخرى تحكم العالم؟ ما هي المبررات والتحفظات التي جعلت أمريكا تنتهج هذا النحو؟ ما هي الأسباب التي أرغمت أمريكا على سلك هذا الدرب؟
هذا الموقف الأمريكي كان يخفي أسباب حقيقية للتحفظ الأمريكي وكانت هناك حسابات أخرى لإدارة ايزنهاور ومنها أن ما قامت بها الدول تهديداً لسيطرتها على المعسكر الغربي الذي لا يحق له أن يتصرف بغير إذنها لأنه لا يستطيع مواجهة العواقب بغير حمايتها. وفي هذا السياق يقول جون بادو سفير أمريكا في مصر:" لم يعد في وسع أي دولة غربية أن تنفذ سياستها في الوطن العربي بنجاح إذا ما تعارضت مع سياسة أمريكا فقد أصبحت السياسة الأوروبية هي الإضافة والسياسة أمريكا هي الأساس. ومن ناحية أخرى كان طريق السويس بملابساته ومضاعفاته كاد يفاجئ السائرين عليه باحتمالات مواجهة مع الاتحاد السوفييتي في وقت حكمته استراتيجية الردع الفوري الشامل. وأن أمريكا لا تستطيع مواجهة خطر تصادم نووي مع الاتحاد السوفييتي بسبب مغامرات حمقاء لحلفائها في ظروف ليس فيها ما يعرض الأمن الأمريكي في صميمه.
وأيضاً إجماع الرأي العام العالمي على ضرورة وقف العدوان تمثل في شبه الإجماع الذي ظهر في الجمعية العامة للأمم المتحدة يطالب بوقف العدوان والانسحاب من مصر، أو خشية التدخل العسكري السوفييتي الذي يعني قيام حرب عالمية جديدة.
وكانت هناك رغبة أمريكية في اضعاف النفوذ البريطاني في المنطقة عموماً والحصول على مكاسب نفطية جديدة على حساب بريطانيا في الخليج العربي ومصر، وخروج بريطانيا يصب في خدمة مصالحها الاستراتيجية في الشرق الأوسط عامة ومصر خاصة، والحفاظ على استمرار تدفق النفط لصالحها وإعادة انتاج النفط إلى المستوى الاعتيادي بأسعار مناسبة بعد انخفاضه إثر حرب السويس مما سيحقق لها فوائد مادية ويعيد للسعودية تأثيرها إزاء مصر.و هذا يتحقق إذا توقفت المقاومة الفعالة في العالم العربي وهي تتوقف بغياب مصر وكمطلب لتصفية القضية الفلسطينية وبديهي يمكن تصفيتها إذا كانت مصر خارج الصراع.
في حين أرادت إدارة ايزنهاور الحفاظ على صورتها في المنطقة لتمرر مشاريعها السياسية المستقبلية وفي مقدمتها مشروع ايزنهاور الذي كان الهدف منه حلول أمريكا محل بريطانيا عن طريق الحصول على مزيد من القواعد الجوية والاستراتيجية تكون بمثابة الخط الثاني للقواعد الأمريكية في تركيا القريبة من حدود الاتحاد السوفييتي وبحسب رأيها أن الوقت غير ملائم لأعمال القوة وإنما للتسويات الدبلوماسية.
وكانت أمريكا تأمل بأن لديها ما يكفي من الإمكانيات لتأمين مطامع إسرائيل. إذ كتب دالاس في مذكراته للسفير الإسرائيلي أبا ايبان: "إن الثقة بهذه الحقيقة هي الكفيلة بضمان مستقبل إسرائيل وليس الاحتلال الذي يتحدى القسم الأعظم من الرأي العام العالمي".
وكان هدف أمريكا حرصها على سمعتها في العالم الثالث وذلك في إطار الحرب الباردة.
بالإضافة إلى ذلك قناعة الإدارة الأمريكية التي بدأها روزفلت وجوهرها أن فرنسا وبريطانيا بقايا العالم الاستعماري وأن نفوذهما إلى الزوال، بالإضافة إلى عدم الانسجام الشخصي بين دالاس وزير الخارجية الأمريكية وايدن رئيس الوزراء البريطاني.
وحاولت أمريكا أن تظهر نفسها بأنها رائدة القانون الدولي وأنها عرابة ميثاق الأمم المتحدة والمدافع عن الأمين العام. جاء هذا في الوقت الذي تناقلت الأنباء احتمال تدخل الاتحاد السوفييتي كي يفيدوا من الحملة الإعلامية التي أثاروها وعن طريق التهديدات التي أطلقوها بضرورة وقف إطلاق النار وانسحاب القوات البريطانية والفرنسية من السويس. وقد ألح الرئيس الأمريكي على تنفيذ هذا المقترح كوسيلة لإبعاد السوفييت وابقائهم خارج المسألة.
وكان الساسة الأمريكان يخططون للمنافع الطويلة الأمد واتخاذ الموقف الذي يمكن الولايات المتحدة من أن تدعي بأنها تمثل الشرعية في الأمم المتحدة، وأن يسمح لها ذلك الموقف أن تصف الموقف السوفييتي بأنه تحدي للمنظمة الدولية والقانون الدولي وعلى المدى البعيد سينجذب لها العرب والاسيويون سيعقدون عليها الآمال في الحفاظ على الاستقرار الدولي.
حيث أن المواقف المشرفة التي اتخذها الاتحاد السوفيتي (خاصة الإنذار الشهير) والذي ساهم في رفع درجة الصداقة بين العرب والسوفييت وقد خشي الامريكان أن يعتبر العرب هذا العامل هو الدافع الأول لوقف العدوان مما سيترك اثاره في المستقبل.
إن غضب أمريكا على بريطانيا وحرصها على كسب أو تحييد القوى القومية التي تشكل الجبهة الأكثر صلابة لمقاومة الخطر الشيوعي هو الذي دفعها إلى سرعة التوصل إلى تسوية الأزمة واتخاذ التدابير اللازمة في الأمم المتحد (تشكيل قوة الطوارئ الدولية).
واختارت أمريكا أن يكون الموقف الأمريكي متوازناً والا سيرتمي العرب (على حد تعبير الإدارة الأمريكية) في أحضان السوفييت.
وفي توضيح خلفيات الموقف الأمريكي قال دالاس: إن التضحيات الهائلة التي قدمتها أمريكا لإعادة الحياة إلى اقتصاد أوروبا بعد الحرب ولتكوين قوة دفاعية عن أوروبا سيحطمها سقوط الشرق الأوسط بين الشيوعية الدولية.
وكانت الإدارة الامريكية تهدف إلى تحقيق صلح بين مصر وإسرائيل وترتيب أوضاع المنطقة تحت مظلة النفوذ الأمريكي بالطبع كتمهيد عزل مصر عن العالم العربي وبديهي أن العالم بغير مصر لا يستطيع ان يحارب.
وقد عمدت السياسة الأمريكية إلى عزل مصر عن السعودية وإحداث انقلاب في سوريا وقد بدأ الاعداد لهذا الانقلاب عام 1955 وبذلك يتحول عبد الناصر إلى شبح يمكن القضاء عليه.
وأيضا العمل على عدم توقف الملاحة في القناة الذي يتسبب في خسائر كبيرة لدول أوروبا التي نادت بوقف العدوان وإعادة فتح القناة.
ثم عملت الإدارة الأمريكية على اقناع جمال عبد الناصر بإقامة خط دفاعي يستكمل طوق القواعد الأمريكية المحيطة بالاتحاد السوفييتي.
وهنا رأت أمريكا أن أسلوب الغزو بالقوة المسلحة ليس الأسلوب الأمثل للخلاص من جمال عبد الناصر بل إن هذا الأسلوب يمكن أن يحوله إما إلى أسطورة بطل في حالة نجاحه وإما إلى أسطورة شهيد في حالة فشله.
وأخيراً تحقيق المصالح الاستعمارية لــــــ أمريكا بما أنها تفكر منذ وقت طويل بإقامة منظمة للدفاع في الشرق الأوسط تضم العرب وإسرائيل كما كان تفكير ترومان في نهاية عهده وكما بدا واضحاً من جولة دالاس في الشرق الأوسط ومبدأ ايزنهاور فيما بعد. حيث قال ايزنهاور: "إن الشرق الأوسط يمدنا بجسر بين أوروبا واسيا من ناحية وافريقيا من ناحية أخرى وهو يحتوي على ثلث مستودعات البترول المعروفة في العالم حتى الآن."
وبالرغم من هذه الأسباب جميعها نلاحظ أن أمريكا اتخذت هذا الموقف دفاعاً عن مصالحها بالدرجة الأولى لكنها حاولت ضرب العصافير جميعها بحجر واحد فقد كانت على علم بالاستعدادات العسكرية الفرنسية البريطانية في قبرص ومالطة، الا انها ادعت أنها فوجئت به وإن كل شيء تم بدون علمها ووقفت مع باقي الأعضاء في الأمم المتحدة في طلب وقف إطلاق النار.
أدت أمريكا دوراً قيادياً في وقف القتال إلى جانب الإنذار السوفييتي لكن أمريكا لم تعترض عشية العدوان على حشد القوات بل ان الاستخدام الفعلي للقوة العسكرية لم يكن مستبعداً من سياستها لإخافة مصر. وذلك يتضح في رسالة ايزنهاور إلى ايدن جاء فيها "نحن نعترف بالقيمة الفائقة لقناة السويس بالنسبة للعالم الحر وبأن إمكانية الاستخدام الفعلي للقوة يمكن أن تصبح ضرورة من أجل حماية الحقوق الدولية".
كما ساعدت أمريكا العدوان مساعدة مباشرة من خلال إلغاء الحظر المفروض على إرسال الأسلحة للشرق الأوسط عام 1956 وبذلك رفعت الحظر عن إسرائيل. وكتبت صحيفة واشنطن " ان الجيش الإسرائيلي الجيد التسلح سوف يكون عوناً قيماً للقوات البريطانية والفرنسية في حال قيامهما بهجوم على مصر.
ومن ناحية أخرى كانت مداخلات دالاس في جلسات الجمعية العامة للأمم المتحدة تخلو من أي ادانة لدول العدوان وكان يؤكد أن ما حدث تقع مسئوليته على أطرافه جميعاً علاوة على تبرير عدوان إسرائيل والدفاع عنها. وأيضاَ تجميد أرصدة مصر وتوقف وصول المؤن أثناء حرب السويس إلى أن أشرفت البلاد على الشلل الكامل، وناشدت مصر أمريكا بمد العون العاجل لها ولكن دالاس رفض تلبية النداء في حين رد الاتحاد السوفييتي بأن السلع التي تريدها مصر قد شحنت حالاً.
في حين تجردت أمريكا من الإنسانية عندما احتاجت مصر إلى كمية من المصل الواقي من شلل الأطفال وكان لدى أمريكا كميات فائضة منه ولكنها رفضت بيع المصل لمصر فقام الاتحاد السوفييتي بشحن المصل لها.
الخلاصة: كانت أمريكا متفقة مع فرنسا وبريطانيا حول ضرورة معاقبة مصر لتأميم قناة السويس إلا أنها اختلفت حول الوسيلة فلم تؤثر استخدام القوة بل اثرت استخدام وسائل الضغط الدبلوماسي والاقتصادي ويقول جمال عبد الناصر في هذا الصدد:" الفرق بين أمريكا وحلفائها هو ان حلفاؤها حاولوا اهلاك مصر بالقذائف وأمريكا حاولت ذلك بالطرق السلمية.