تاريخ النشر: 2018-10-07 | 12:38
تاريخ النشر: 2018-10-07 | 12:38
مصر أم الدنيا كما يسمونها المصريون سمعت اسمها يتردد في أذني لأول مرة في حياتي منذ أن كنت طفلا صغيرا في السادسة من عمري .. انطبعت مصر لحظتها في مخيلتي كخيمة بيضاء كبيرة كخيام اللاجيين التي أقيمت بعد الهجرة قرب الشاطيء عام 48. . كان الوقت عصرا والشمس تميل باشعتها الذهبية نحو الغرب حيث سيسقط قرص الشمس الأحمر بعد ذلك في البحر وعندها سيعم الظلام في آخر محطة في غزة سيصل اليها القطار القادم من مصر .لقد أطلق الإعلام المصري عليه في تلك الأيام وكانت ثورة 23 يوليو المجيدة في عامها الأول اسم قطار الرحمة ..في ذلك اليوم رايت القطار لاول مرة في حياتي عربة قيادته السوداء الفاحمة الذي ينطلق منها الدخان صفارته الطويلة وصوت عجلاته الحديدية التي هي أشبه بعزف نشيد وطني حماسي لشدة وقعها على سكة الحديد ..يومها اقترن القطار عندي باللواء محمد نجيب اول رئيس لجمهورية مصر بعد الإطاحة بنظام الملك فاروق وكان ابي رحمه الله قد حزن على صورة الملك بطربوشه الأحمر وشاربه الأسود المجدول إلى الأعلى كقرن ثور وهي تزال من على جدار غرفة الضيوف في بيتنا الطيني الواسع التي كانت تتوسطه شجرة سدر كبيرة طالما كانت هدفا لأولاد المدارس والشوارع يرمونها بالحجارة من أجل الحصول على ثمارها من النبق .. كانت غرفة الضيوف جدرانها الأربعة مزينة بصور كثيرة صورة الحاج أمين الحسيني مفتي فلسطين وصورة جدي وقد أمسك بيده سيفه الطويل الموشى غمده بالخرز .. قطار الرحمة ومحمد نجيب وام الدنيا مصر كل هذه الكلمات كانت تتردد على شفاه الناس المقطبة التي لا تنفرج إلا قليلا بسبب قسوة الحياة وضنك المعيشة التي سببتها النكبة ولم يكن لعبد الناصر أي حضور سياسي في ذلك الوقت فلم يكن يتردد اسمه بين الجماهير في القطاع حتى تم الإطاحة باللواء محمد نجيب بعدها صعد نجمه كقائد للثورة ورئيس للجمهورية أصبح حديث الناس في المقاهي والمناسبات الوطنية وقد اعتادت دار الإذاعة الإسرائيلية في تلك الأيام ان تذكر اسمه في نشراتها الإخبارية مقترنا برتبة بكباشي وهي تعادل رتبة مقدم في الجيوش العربية .. في عصر ذلك اليوم وقد مالت الشمس أكثر نحو البحر انتابني الفرح وانا المح قطار الرحمة وهو قادم بين الحقول يتلوى كالثعبان وحين توقف في المحطة الأخيرة هرع الناس إليه جاءوا من الشوارع والازقة الضيقة ومن حارات غزة القريبة ومن بيارات البرتقال كل واحد منهم يراوده الأمل في الحصول على كيس من الطحين الأبيض ..اما انا فقد تطلعت حولي انظر بعينين متقدتين فرحتين للقطار الذي جاء من أم الدنيا محملا بالخير والبركة في تلك اللحظة كنت شاهد عيان على الاندفاع نحوه حتى غربت شمس ذلك النهار غربت تماما لكن مع ذلك ثمة أصوات أقدام عارية كثيرة كنت اسمعها في المحطة ...