تاريخ النشر: 2016-03-23 | 09:01
تاريخ النشر: 2016-03-23 | 09:01
الاتفاق التركي المبرم مع دول الاتحاد الأوروبي، الذي سيتم بموجبه إبعاد كل المهاجرين، الذين يصلون إلى الجزر اليونانية إلى تركيا، مقابل حوافز مالية ضخمة لأنقرة تشمل ستة مليارات يورو، إلى جانب تسهيل منح أو إلغاء تأشيرات السفر لرعاياها، وإطلاق وتسريع مفاوضات انضمامها إلى النادي الأوروبي، هو اتفاق تطبعه الانتهازية والابتزاز، في قضية من الطراز الإنساني الأول، إذ يحاول اللاجئون الفرار بجلودهم من الجحيم الذي هم فيه، جراء ظروف الصراع في دولهم، إلا أن هذا الاتفاق يعرقلهم ويعيدهم إلى تركيا، التي عانوا فيها الأمرين جراء الظروف المعيشية الصعبة، وانعدام فرص العمل فيها.
سارع المسؤولون الأوروبيون، قبل نظرائهم الأتراك، إلى الإعلان عن التوصل إلى الاتفاق، وكأنهم عثروا على كنزٍ ثمينٍ، على الرغم من أن أنقرة ماطلت وساومت كثيراً على بنود الاتفاق، حتى تمكنت من رفع سقف مطالباتها، بمبلغ المساعدات الأوروبية لها من 3 مليارات يورو إلى 6 مليارات، وفي الوقت نفسه ستغرق المدن الأوروبية بعمالتها، إذا ما عرفنا أن أغلب سكان بلاد الأناضول، والذي يناهز الثمانين مليوناً، يحلم بالعمل والعيش في أوروبا، لتأتي هذه الاتفاقية وتحقق أحلامهم، على حساب اللاجئ الذي فقد في بلاده كل ما يملكه، وهرب من جحيم الحرب والصراع في بلاده، بحثاً عن ملاذ آمن ريثما تضع الحرب أوزارها في بلاده.
إذاً، سيتجول المواطن التركي ويعمل في أي مدينة أوروبية يشاء، وربما يحصل على جنسية الدولة التي يريد في وقت لاحق، بينما سيبقى اللاجئ على تعاسته في شوارع أنقرة وإسطنبول، يستجدي عطف الأتراك الذين تخلى عنهم رئيسهم رجب طيب أردوغان، الذي صدّع رؤوسنا في كل مناسبة، بتصريحاته الرنانة التي كانت تدل زوراً وبهتاناً على ترحيبه باللاجئين واعتبارهم ضيوفاً لا لاجئين، إلا أن ورقة التوت سرعان ما سقطت وفضحت عورته، أمام سيل الإغراءات الأوروبية التي أسالت لعابه.
إن هذا الاتفاق مصيره الفشل، مع إصرار اللاجئين على المخاطرة بأنفسهم والبحث عن طرق بديلة، سواء في شمالي إفريقيا أو غيرها، وكان الأجدى بالاتحاد الأوروبي الاستمرار في استقبال اللاجئين الباحثين عن ملاذ آمن، والتخفيف من معاناتهم بدلاً من هذه الاتفاقية المذلة والمعيبة أخلاقياً وقانونياً، خاصة أن النتيجة بالمحصلة هي نفسها، إن لم تكن أكثر سلبية، إذ إن دول الاتحاد ستضطر إلى استقبال الأتراك بدلاً من اللاجئين الذين هم بأمس الحاجة إلى مأوى يحميهم من شر الحروب والصراعات، ويؤمن لهم الأعمال التي تكفيهم عن ذل السؤال والحاجة، فضلاً عن أن تركيا هي نفسها التي تسببت في تأجيج الصراع في سوريا والعراق، عندما فتحت حدودها الجنوبية أمام المرتزقة وشذاذ الآفاق للالتحاق بالتنظيمات الإرهابية، التي عاثت فساداً وخراباً في سوريا والعراق، وأجبرت الملايين على الفرار من منازلهم ومدنهم، واللجوء إلى بلاد الأناضول التي استغلتهم شر استغلال، وما هذه الاتفاقية إلا واحدة من أبشع قضايا الابتزاز في المآسي الإنسانية.
انتهازية تركيا لم تقف عند حد استغلال ورقة اللاجئين الرابحة في وجه أوروبا، بل امتدت إلى أبعد من ذلك، من خلال الزيارة الأخيرة لرئيس حكومتها أحمد داوود أوغلو إلى إيران، لعقد اتفاقيات تعيد الحياة لاقتصاد تركيا المتعثر، بعد فقدانها أسواق روسيا وسوريا، وفشل رهانها على الغرب في إحداث تغيير في سوريا وفقاً لأهواء ورغبات حكام أنقرة.
عن الخليج الاماراتية