هي بالتأكيد ثقيلة ، لهذا رفضتها السموات والأرض ،كما أن الجبال اعتذرت بهدوء عن حملها ، ولكي لا نقول ، جميعهم هربوا أمام واقع ملموس ، هو ، أن الإنسان حملها دون اضطرار لذلك ، بل ، كما هو راجح ، من دافع الجهل ليس أكثر ، وهو فعل ، أقرب إلى سلوك اندفاعي ، أكثر من أنه عقلاني ، نعم هي الأمانة ومن غيرها ، التى تحتاج إلى مقومات فذة كي تُحمل ، ولولا أن السموات والأرض والجبال على دراية بِثقلها ، بالطبع ، لأن الأقدمية بالخلق ، أعطت بلا شك ، تراكم التجربة وعززت الحكمة لاتخاذ أي قرار ، لكان وضعهم أسوأ بكثير من الإنسان ، وهذا ما يلمسه المرء على الفور منذ الطور الأول ، بأن الإقدام على حمل الأمانة دون تَوفير شروط كافية لمن يريد أن يتأبط مسؤوليتها وتكاليفها وآدابها ومجالسها ، يؤدي بضرورة إلى ظلم الذات قبل الآخرين ، وهنا نلاحظ ، بأن السلالة البشرية تُكرر على الدوام المشهد الأول للإنسان ، بحيث ، يندفع المرء نحو شتى المجالات دون أن يعي بأن المسألة ، لن تنتهي عند حصوله على شهادة أو الاعتراف به من مجموعة ، هي بالأصل غير معترف بها ، فالتعليم أو الوظيفة ، أمرين يجتهد المرء بكل ما أوتي من قوة وفهلوة كي ينال مقعدهما ، دون أن يضع بين عينيه ، بأنها ، أمانة وثقيلة ، فالعلم ، ليس شهادة تعلق على الحائط فقط ، بل ، هو أشبه بتكليف من الأمة والبشرية جمعاء معاً ، حيث ، يترتب على عاتق المتعلم ، مهمة الاستمرار ما توقف عنده الأسلاف من انجازات تحتاج إلى مواكبة مستمرة في ذات الاختصاص ، وهذا يترتب أيضاً على طالب الموقع أو الوظيفة ، وبعيداً عن سلم الوظائف ، إلا أنها مسألة ، أيضاً ، حساسة وغاية من التعقيد ، فهناك الفقير الجائع والعاري المجهود واليتيم والمكسور والمظلوم المقهور والأسير والشيخ الكبير وغيرهم من المحتاجين والمرضى بحاجة إلى من ينصفهم ويرفع عنهم الظلم والبلاء ، لهذا فالمسألة ليست إرضاء رغبات البعض أو الارتهان لمزاجية من يحكم ، بقدر أنها مسؤولية والتزام أولاً ، بالمهنة ، وثانياً بتنفيذ القانون وثالثاً باجتناب التلاعب بها أو القفز عنه ، ولأن ، اللعنة بالتأكيد ستصيب كل ضمير خامل بالمطارد والملاحق من خلال كوابيس تضق مضاجع كل متخاذل إلى ما لا نهاية .
الأمانة تبدأ من ذاك الثدي ، فالرضيع أمانة في عنق أمّه ، لهذا ، ينصح الأطباء بالإجماع برضاعة الثدي ، لأن ، لبن الأم لا يعوض وليس له مثيل على الإطلاق وحيث تعجز القوى البشرية التى تختص بإنتاج الحليب عن تركيبة خصائصه ، أعلاه ، أنه يكتسب مناعة ضد كل الأمراض ، وأقله ، لطيف الحرارة في الصيف ودافئ في الشتاء بالإضافة لخصائص كثيرة اخرى .
الخلاصة التى تتكئ على شبكة من التفاصيل المترابطة والمتقاطعة تفيد بأن الأمانة تُبذر منذ الطفولة من خلال الرضاعة ، فإذا ، كانت الرضعة الأولى مغشوشة أو مشكوك بأمرها ، فكيف للإنسان له أن يحافظ على الحد الأدنى من الأمانة ، وبالتالي ، يضطر المرء السويّ دون استهزاء أو مكابرة أن يتعلم جميع المهن ، بدايةً ، من الطب وليس نهايةً بالمواسرجي ، كي يتجنب سرقة أعضاء جسمه أو لأحد من أفراد عائلته ، ولأمر ألأخر ، لكي يُوقف استنزاف المالي ، إن لا قدر الله وتورط المرء بين أيدي هؤلاء أصحاب المهن المختلفة ، الذين استبدلوا ضمائرهم الحية بضمائر انتجتها معامل اصطناعية .
والسلام
كاتب عربي