تاريخ النشر: 2016-03-20 | 08:44
تاريخ النشر: 2016-03-20 | 08:44
وكأن التاريخ يعيد علينا مشاهده بذات التفاصيل المؤلمة ساخراً من جهلنا وقلة حيلتنا وخيانة البعض منا. فما بين 1916 حيث تم توقيع اتفاقية سايكس بيكو بين الدول المنتصرة ورعاياها من التابعين الطامحين لتقلد عروش على أرض العرب، وبين 2016 حيث تتصارع علينا أيادى الغرب المربوطة بخيوط صهيونية فجة، تمر مائة عام على بلادنا العربية -عفواً، ما تبقى من بلاد عربية- بينما بلادى تصارع للبقاء والخروج آمنة سالمة من معترك طاغٍ لا يمل من تغيير ملامح الشر فيه.
هكذا تلقيت خبر خروج روسيا من سوريا بعد أشهر تدخلت فيها بقوة السلاح بإقناع مصرى لحماية ما تبقى من بلد كان وما زال وسيبقى بوابة أمننا الشرقية من آلاف السنين. كنا ندرك من البداية أن نقطة التحرك الروسية لمواجهة ميليشيات السلاح المدعومة من كل صوب وحدب على أرض سوريا هى حماية المصالح الروسية ذاتها ومنع تغلغل وتمدد الإرهاب لأراضيها، والإبقاء على نفوذ استراتيجى يسعى الغرب بقيادة أمريكا لسحبه من تحت أقدامها. نعم، كنا ندرك أن روسيا تفرض سياسة الأمر الواقع على الأرض فى سوريا لتتمكن من التفاوض على ما تريد وفقاً لما تصل له حدود السلاح الروسى. نعم، كنا ندرك أن الكواليس بين الغرب، الرافض للغطرسة الروسية وبخاصة بعد أحداث أوكرانيا وضم جزيرة القرم باستفتاء مارس 2014، وبين الدب الروسى الطامح لاستعادة ما أضاعه تفكك جمهورياته فى العام 1991، ستشهد الكثير من التفاوضات على المصالح وفقاً لما يمتلكه كل طرف من أوراق اللعبة. دون أن يكون لسوريا وشعبها -وما تكبدوه عبر خمس سنوات من مئات الآلاف من القتلى وملايين من اللاجئين والنازحين ونحو تريليون دولار كخسارة مادية- أى مكان فى تلك الكواليس المظلمة.
جاء الانسحاب ليؤكد تقرير نشرته «مؤسسة التراث الأمريكية» The Heritage Foundationحمل عنوان «الاستراتيجية الشاملة للولايات المتحدة تجاه روسيا»، وتضمن رؤية متكاملة لصانع القرار الأمريكى حول كيفية التعامل مع التحديات التى يفرضها الوجود الروسى فى مناطق مختلفة من العالم، بما يهدد مصالح واشنطن وحلفائها. بدأ التقرير باتهام نظام «بوتين» بالتسبب فى العداء بين روسيا والولايات المتحدة، وأنه منتهك لحقوق الإنسان. بالإضافة إلى تدهور الاقتصاد الروسى الناجم عما فرضه الغرب من عقوبات على روسيا فى أعقاب الأزمة الأوكرانية. غير أن التقرير لفت الأنظار إلى أن روسيا تستمد قوتها الاستراتيجية من كونها المصدر لنحو 30% من احتياجات أوروبا للطاقة. وطالب التقرير الإدارة الأمريكية بتبنى استراتيجية حاسمة تجاه روسيا تعتمد على اتخاذ عدد من الإجراءات من بينها مواصلة العقوبات الاقتصادية، إنشاء خطوط الغاز والبترول التى تقلل الاعتماد الأوروبى على روسيا، إزالة كل القيود على صادرات أمريكا من البترول والغاز الطبيعى، واستبعاد روسيا من نظام التعاملات البنكية الدولى، وتكبيد روسيا خسائر سياسية واقتصادية وعسكرية فادحة لا يمكنها مقاومتها، والتعامل مع سياسات روسيا باستراتيجية تسير بموسكو فى طريق الانصياع واتخاذ مواقف أكثر مرونة.. هكذا تحدث التقرير الذى لم يكتف برسم ملامح الاستراتيجية الأمريكية تجاه روسيا، بل امتد إلى تقديم النصح للإدارة الأمريكية بضرورة توخى الحذر من البرنامج النووى الروسى حتى لو تطلب الأمر انسحاب أمريكا من معاهدة الحد من التسلح النووى الموقعة مع روسيا، وتشجيع أعضاء حلف «الناتو» على تطوير منظومات دفاعاتهم الصاروخية والجوية. هذا غير تفاصيل خاصة بمواجهة الإعلام الروسى المسىء للولايات المتحدة... وغيرها من النصائح التى تؤكد أن ما حدث مؤخراً جاء نتيجة اتفاق مصالح فرض على روسيا الانسحاب من سوريا.
وبعيداً عن صراع قطبى بين قوى لا تضعنا فى حساباتها إلا لتحقيق مصالحها، يبقى السؤال: متى سننجح نحن فى فهم التاريخ؟
عن الوطن المصرية