بالصوت والصورة كانت، وليس بالرواية!
فماذا نعيد من قول لعالم رأى وسمع وعاش الحرب على البشر والشجر؟
البيت هو المأوى والملجأ والسكن والمنزل وهو الوطن الصغير، فماذا يمكن أن يتبقى من الإنسانية إن تم السطو على أمنه!؟
لماذا كان القانون الدولي الإنساني؟ لماذا وجدت القوانين الخاصة بحماية المدنيين وقت الصراعات؟ ما الذي فكّر فيه واضعو البروتوكول الأول من اتفاقيات جنيف الأربع؟
فلسفة القوانين فلسفة إنسانية، حتى يكون هناك حدّ وحدود للنزاعات، وحتى تبقى الأرض عامرة بالبشر، لأنه من الصعب إنهاء الصراعات العسكرية، لكن في ظل ذلك، لا ينبغي أبدا إنهاء البشر وإفنائهم.
تلك مبررات وجود وإيجاد محكمة الجنايات الدولية، لتردع العسكريون كي يتنبهوا إلى حدود النزاع وأدواته.
وهنا، نستطيع أن نقرأ كم كان الاحتلال الإسرائيلي قاسيا في الحرب على المدنيين!
كم كان وقحا لا يخجل!
وكم كان مستهينا وساخرا بالشرعية والأخلاق والقوانين الدولية!
في ظل ذلك، لعلي أعيد سؤالي الذي سألته في بداية الحرب على غزة: هل يمكن مقاضاة إسرائيل خارج نطاق محكمة الجنايات الدولية؟
الجواب لدى خبراء القانون الدولي، والذي أشعر أن لديهم حلولا عملية لمحاسبة القتلة دوليا، خصوصا أن إسرائيل تريد تفويت الفرصة على أية محاولة فلسطينية-عربية-دولية، من خلال تحقيقها في عدد من الأحداث التي قتل فيها مدنيون فلسطينيون.
في ندوة بعنوان "انتهاكات إسرائيل على النساء والأطفال"، في الحرب على غزة، التي نظمتها الإدارة العامة لشؤون المرأة والطفل في الأمانة العامة في المجلس التشريعي، وضع بين أيدينا د. محمد شلالدة أستاذ القانون الدولي عدة أفكار إبداعية، تتعلق بالإمكانيات المتاحة لمحاسبة القتلة، فبت على قناعة بأن هناك مجالا إن أحسنا تفحص نصوص القوانين الدولية، فلعلّ خبراء القانون الدولي في الجامعات وغيرها ينظمون ندوة حول الموضوع، يصار فيها إلى إعداد ورقة محددة ينظر فيها خبراء عرب وأجانب، كي توضع أمام القيادة، كي تتسلح بها في حربها الصعبة على الإرهاب الإسرائيلي وجريمة الدولة المنظمة.
فبدلا من اللوم المستمر لعدم التقدّم لمحكمة الجنايات الدولية، فإن هناك مجالا لمقاضاة إسرائيل، والتضييق على العسكريين والسياسيين الإسرائيليين، برفع الدعاوي عليهم في الدول العربية، والدول القريبة. بل يمكن لدول أخرى مقاضاة الإسرائيليين.
ولعل جهود تحريك وتوعية الرأي العام الدولي بجرائم إسرائيل تكون دافعة لتعزيز محاكمة القتلة. لذلك فإن الأمور تسير كلها ضمن خطوط موازية ومتقاطعة حسب خصوصية كل حالة.
في الندوة تحدث د. أكرم أبو حسن من الشجاعية، عن الاضطرار لمغادرة البيت في الشجاعية، واللجوء لبيت الابن أو البن في الرمال، فالعودة إلى الشجاعية على أمل الخلاص، فالمذبحة، فالفرار مرة أخرى إلى الرمال، ليتم غزوة الأسرة الممتدة بصاروخ مدمّر، فما أن يفتح أبو حسن عينيه إلا بجثث أسرته: زوجته وابنته وزوجها وزوجة ابنه وأحفاده الثلاثة، لم يبق إلا أبو حسن وابنه حسن المصاب، فكأنها الإبادة!
تلك حالة من حالات الإبادة الستين، أفلا تستحق إسرائيل المحاكمة!؟
لربما في زمن الكاميرا المباشرة نعود إلى الرثاء، فنواصل البكاء، ولكن ليس الإ البكاء في الطريق إلى محاسبة القتلة، الذي سطوا على الأبرياء، وإلا نكن مجرد بكائين!
رثاء ومشاعر إنسانية عادية: حزن وغضب، وعقل يقود إلى فعل لتستريح أرواح الأبرياء الذين غيبتهم آلة الدمار.
عشرات العائلات انتهت من السجل المدني، لربما بقي فرد أو فردان، حوالي 60 عائلة تمت إبادتها، فلم يبقى لا البيت ولا سكانه؛ فلا دار كي يخاطبها صاحبها، ولا صاحبها بقي كي يخاطب حتى كومة الحجارة والحديد والاسمنت المسلح.
فلا مأساة تضاهيها، لأن البت وسكانه انتهوا معا، فلا ذكريات، ولا صوت وديع الصافي يكفي هنا ويشفي الحال، كون خاطب دارا ظلت موجودة بعد رحيل الأحبة وسفرهم.
دار يا دار يا دار يا دار قوليلي يا دار
راحوا فين حبايب الدار فين فين فين قولي يا دار
لياليكي كانت نور يسبح بضي بحور
صبح الفضا مهجور مرسوم في كل جدار
داري الدمع يا عين داري داري داري
داري الدمع يا عين ما تزودي الغيم
في رب اسمه كريم ساعة المحن ستار
لو كان هنا الشاعر الغنائي حسين السيد، ومعه العبقري بليغ حمدي ترى ماذا كانا فاعلين؟
لا الكلام كثيره وقليله المفيد بل الفعل، احتراما للإنسانية، ليس من أجل من ذبح في فلسطين فقط بل من أجل العالم، من أجل الإنسانية.
إنها الحرب الصعبة بل الأصعب!
وليس هناك تناقض بين استمرار التفاوض والبدء بمقاضاة إسرائيل.
السبب أن التفاوض أصلا حرب دبلوماسية صعبة ما زلنا نخوضها.
لقد قامت إسرائيل بحرب شرسة وقاسية على قطاع غزة، وعليها بالتالي دفع ثمن فعلها!
لقد فاجأت إسرائيل العالم من تستهدف بأطنان فاقت أطنان الحرب العالمية الثانية، على من؟ على المدنيين العزّل!
وكل ذنب هؤلاء المدنيين هو أنهم يريدون العيش على أرضهم وبحرهم، ولسان حال من يدافع عن أهلنا في غزة هو مضمون ما غنته فيروز في مسرحية الشخص عام 1968 :"أنا بياعة وبدي عيش اهلي فقرا ودراويش" والمتأمل في شعبنا يجد أننا كذلك، ننشد الحياة "ما استطعنا إليها سبيلا" كما قال شاعرنا محمود درويش.
أهل غزة والضفة فقرا، بالمعنى الإنساني العميق، أي هم أبرياء مثل الملايين من أبرياء العالم الآخرين.
- ما الذي يمكن قوله؟
- في رب اسمه كريم ساعة المحن ستّار
- ما الذي يمكن فعله؟
- الإجابة لدى الشعب المنكوب وقيادته، ولدى الخبراء في القانون الدولي.
- و؟
- ولدى الضمير الإنساني!
- لعل الحراك العربي والدولي المتضامن مع الفعل الفلسطيني يصنع شيئا!
- و؟
- وما دام هناك حق وراءه مطالب؛ فإن إمكانية التحقق محتملة، على أمل أن نجد شريكا حقيقيا في عملية السلام.
صعب أن نفاوض القتلة مرة أخرى، نحتاج قيادات إسرائيلية تصلح للتفاوض، ليست من جنس تلك القيادات الفاشلة في الحرب وفي التفاوض معا. وقتها فقط يمكن البدء في التفاوض الحقيقي.
إنها الحرب الأصعب إذن!
إنها كذلك!