قام رئيس الديبلوماسية الاميركية ما بين 22 و 27 حزيران/ يونيو الحالي بزيارة للمنطقة بدأها بالقاهرة مرورا ببغداد والرياض وعمان، وانهاها في اوروبا، وعقد سلسلة من اللقاءات مع زعماء الدول التي زارها ومع وزراء خارجيتها لمناقشة تداعيات التطورات الدراماتيكية في العراق، ورافق الزيارة إرسال اميركا (300) من عسكرييها لبغداد.
جولة جون كيري للمنطقة لم تكن حرصا على وحدة العراق واراضيه، ولا رغبة من ادارته على تحالفاتها العربية، بل هدفت إلى تفعيل مخططها التقسيمي للعراق، الدي خاضت حربا عالمية عليه مطلع تسعينيات القرن الماضي، ثم قامت باحتلاله عام 2003، ومن خلاله تفعيل واعادة النظر بسيناريوهاتها التفتيتية لعموم الدول العربية، على امل تخطي انجازات ثورة ال 30 من يونيو 2013 المصرية، التي اربكت المشروع الاميركي الاسرائيلي. واستعادة زمام الامور في المنطقة بما يتوافق ورؤيتها الاستراتيجية للمنطقة، ولم تكن إيران غائبة عن الزيارة الاميركية، لان الحوارات الاميركية الايرانية لم تتوقف في إطار اللقاءات حول الملف النووي الايراني تحت ما يسمى 5+1، اضف الى اللقاءات الثنائية، التي لم يعلن عنها صراحة. كما ان تركيا وقطر شريكا اساسيا في تنفيد المخطط، كل حسب الدور المرسوم لها.
وكما يعلم القاصي والداني، اميركا انتجت مع دول المنطقة الاقليمية العديد من المنظمات التكفيرية ومنها "داعش" او "دولة الاسلام في العراق والشام"، لتؤصل للصراع الديني والطائفي والمدهبي والاثني، وفي دات السياق، دعمت القوى الطائفية الشيعية، ونصبت نوري المالكي حليفها المشترك مع إيران لدات الغرض، الدي لعب دورا مهما جدا في تنفيد الجزء الاكبر من مخططها في العراق، وساهم بسياساته الهوجاء ولكن المدروسة تعميق الصراع الطائفي بين السنة والشيعة العرب، وبين الاكراد والعرب.
ومن يعود للتاريخ القريب زمن هنري كيسنجر، عندما كان وزيرا لخارجية اميركا في السبعينيات من القرن الماضي، عندما كاد ان يفشل المخطط الاميركي في إشعال فتيل الحرب الاهلية في لبنان نيسان/ ابريل 1975، ارسلت الادارة الاميركية آنداك دين براون، مهندسها ومبعوثها لمتابعة الازمة، وتمكن وفق ما اعلن كيسنجر، من تجاوز العقبات، التي كادت تعطل المخطط الاميركي، وبالتالي نجح في إشعال الحرب الاهلية، التي إستمرت حتى نهاية عقد الثمانينات من القرن الماضي، والتي مازالت تداعياتها جاثمة على انفاس لبنان والمنطقة حتى الان. وللاسف نجح المشروع الاميركي الاسرائيلي من خلال دعم بعض العرب الرسميين.
وبالعودة إلى العراق، فإن مجيء كيري، ومن ثم ارسال الاميركيين ال300 الى العراق، إنما لترسيم عملية التقسيم له، الدي مهدت له حكومة نوري المالكي السابقة، وإستغلال الاكراد للتطورات الجارية في الشمال والغرب العراقي مع إنهيار قوات المالكي، فاعلن مسعود برزاني السيطرة على كركوك، وبالتالي اعلن إسقاط المادة 140 من الدستور العراقي، وفرض عمليا استقلال اقليم كردستان العراق عن الدولة العراقية، مستفيدا من تحالفه غير المعلن مع الجماعات السنية.كما أن تبوأ الحركات التكفيرية وخاصة "داعش" وجيش محمد وجماعة الطريقة النقشبندية، التي جميعها تلبس العباءة السنية، وبإسم الدفاع عن السنة في العراق، الدورالرئيسي في الموصل وتكريت والانبار، مستغلة صمت القوى الوطنية والقومية وخاصة البعث العراقي، التي ارتبطت بتحالفات مباشرة مع تلك القوى التكفيرية، الامر الدي سينجم عنه عمليا تقسيم العراق، لا سيما وان القوى الشيعية في ضوء التطورات الجارية، تراجعت عن معارضتها العلنية للمالكي، حتى امست من حيث نريد او لا تريد جزءا من مخطط ايران والمالكي بغض النظر ان بقي في رئاسة الحكومة او غادر الموقع، وبالتالي تمركزت في مناطق الجنوب وبغداد. وهكدا امسى العراق الموحد في خبر كان.
الان مطلوب من القوى العربية والكردية والتركمانية المعنية بوحدة ونهوض العراق، النهوض والعمل بطريقة مختلفة لاقصاء كل القوى التقسيمية في العراق من شيعة وسنة واكراد وفرس واتراك وغيرهم، واستعادة زمام الامور قبل فوات الاوان. وعلى القوى القومية في الساحات العربية كلها دعم تلك القوى، لان تفتيت العراق لن يكون في مصلحة العرب جميعا.