الأصدقاء الأعزاء متابعي أمد للإعلام .. هناك عملية نقل من مطور لآخر ما قد يؤثر على نشر الأخبار لفترة قصيرة! ...

اهربوا اهربوا قبل فوات الأوان

في خضمّ الانهيارات الكيانية والقيمية المتلاحقة التي تزلزل عالمنا العربي القريب، ابتداءً مما يجري من فواجع تراجيدية في سوريا، ويتواصل في العراق، ومصر، وفلسطين، وصولاً إلى لبنان، يلجأ الأديب إلى الأدب، لا هرباً، بل ليبحث عن الملجأ الحصين المضاد، وليمعن في كشف النقاب، من طريق الكتابة الأدبية، عما تعجز الوقائع عن روايته. بل يلجأ ليخترع، من طريق الدعوة إلى الشعر، ما يحصّن "متاريس" الخلق والتمرد والرفض والأمل، ومعاييرها، المدفونة في اللاوعي الفردي والجمعي.

اهربوا أيها المواطنون. إنه الوقت المناسب للهرب. بعد قليل، لن تعثروا على وقت، ولا على منفذ. الدروب ستُقفَل. الهواء سيُقفَل. والخيال سيُقفَل. هذا ليس إنذاراً بل رؤيا. لستُ نبياً لكني أرى. مَن شاء منكم أن يهرب، فليهرب الآن. ومَن شاء ألاّ، فليُجَنّ. ومَن لم يُجَنّ فليمعن. كلُّ إمعانٍ، كهذا الإمعان الهستيري الأهوج، هو حفرٌ في عدم.

في الشعر، في الحبّ، في الفنون، في الحلم، وفي الشغب الجنسي الأنيق، من شأن الحفر في العدم الهاجس، أن ينتج شعراً، وحبّاً، وفنوناً، وحلماً، والتماساً للمطلق الجسداني اللذيذ. أما في الواقع، فمن شأن الحفر في العدم أن ينجز الغرائز، التي لا تنجب إلاّ مسوخ ذواتها.

* * *

انظروا أمامكم أيها المواطنون. انظروا وراءكم. انظروا في الاتجاهات كلها، تروا لبنان، لبنان البهيّ الطلعة هذا، وقد صار شلواً تتناهشه الأنياب المتكالبة على عظْمةٍ مجرودة اللحم. وها هي سوريا بلاد الشام، بعد العراق بلاد ما بين النهرين، في أيدي القتلة النظاميين والقياميين والإرهابيين والتكفيريين والجلاّدين، ها هي تُدمَّر، من كلّ حدب وصوب، وتُفكَّك، وتُنهَب، وتُغتصَب، وتُفرَض عليها هلوسات القرون المتخلفة من جزية وذمة، وهلمّ، وتساق من عنقها إلى دهاليز الظلام والاستعباد بإلهاماتٍ إلهية، قيامية، جوفاء. وانظروا أيها المواطنون إلى فلسطين، تروا فلسطين كلّها تقريباً، وقد صارت في أيدي التلموديين. بعد قليل، الآن ربما، يهبّ من أرض فلسطين المغتصَبة مَن ينادي بتنفيذ بنود النبوءة التاريخية الكاذبة: "أرضكِ يا إسرائيل من الفرات إلى النيل"!

* * *

لا خلاص أيها المواطنون من هذا الواقع العربي الذليل، بأنظمته الهمجية المقيتة وبقياميّيه الرهيبين الجدد. اهربوا. اهربوا. إذاً. لا هلعاً، بل بحثاً عن الشعر. كلما تنكّرتم للشعر، أطبق عليكم الظلام وأهله من كلّ وهدةٍ وعَلَم. اركضوا. اركضوا أيها المواطنون. اركضوا وراء غيمة، أو نسمة، كلما رأيتم غيمةً، أو نسمةً، تعمشقوا، وإن أفضى بكم التعمشق إلى هاوية. هل أجمل من اللحظة تلك، لحظة الطيران الشعري الماجن فوق هاوية؟!

في ما مضى، كانت الأيام جميلة. وكان الهواء يهبّ من أودية الخيال، فلا يترك مجالاً لزغل، أو لفجيعة. وكان الشعر خلاصاً. كنتَ تستطيع أن تقنع امرأةً شقية بأن ليلاً واحداً يكفي لصنع أعجوبة. وكنتَ تستطيع بكأسٍ من الخمر أن تُسكِر نهراً بأكمله. وكان النهر، بعض النهر، يُسكِر البحر بأكمله. وكانت الزوارق تُرجِّف البحر كلما شاءت أن تفعل فعلتها فيه. وكان البحر يشهق، وينتشي، ويرفع لهاثه تحيةً للجلسة الماجنة. وكانت الأمواج الخفيفة تضحك للناظرين من بعيد، وتعود عودتها المحمودة لتضيع في الجموح الأنيق.

في ما مضى، كان الوهم جميلاً. وكان الشاعر إذا أراد أن يجترح أعجوبةً، غير فردية، وجد في المكان العام، في الفضاء، في المدينة، في بيروت، وفي رأسها مثلاً، في رأس بيروت أعني، مَن ينصاع له، ومَن ترتخي مفاصله أمام غواية كلماته. وكان الشعر خلاصاً، وإنْ وهم خلاص.

لا بدّ أن الكون، في أحد الأيام، كان جميلاً. فهل صحيحٌ أنه سيكون، في أحد الأيام جميلاً؟!

الله يهرب منا. ملائكته تهرب. السموات والأرض، هنا، أصبحت موضعاً للعنة. فلنهرب. مَن يزرع الريح يحصد العاصفة. الموت يملش شعوبنا ملشاً مريعاً. بلداننا تتفكك. الأرض؟! لم يعد ثمة أرض. والماضي كذبة. مَن يستطيع أن يعيد عقرب الوقت إلى الوراء؟ اهربوا. اهربوا أيها المواطنون. قلبي ينزف. وجعي لا يوصف. لا تأخذوا معكم شيئاً أيها المواطنون. اهربوا فقط. لن يبقى دينٌ على دين، ولا حجرٌ على حجر.

 

* * *

 

سوريا تموت، العراق يموت، مصر تموت، فلسطين تموت، لبنان يموت. فلنمت إذاً. وليتألم العلمانيون. والمدنيون. ودعاة احترام الدساتير والقوانين. ولتئنّ الأجراس. ولتبكِ المآذن. وليهشل الشعراء والكتّاب والفنّانون والحالمون والعشّاق، إلى الفيافي والمتاهات والمفازات. وليموتوا في كلّ أرض. ففي بلادٍ هذه هي معاييرها وقيمها، وهذه هي أنظمتها وآلهتها، وهؤلاء هم قياميّوها، وهذه هي ثقافة طبقتها السياسية، وهذه هي مفاهيم جماهيرها وقبائلها وطوائفها ومللها، عبثاً يُبحَث عن خلاصٍ نوعي في ما يجري، ولا في السياسة، ولا في الاجتماع، ولا في الدولة البديلة على السواء. عبثاً يُلهَث وراء سرابٍ رخيص كهذا. السياسيون هم هؤلاء. رجال الدين هم هؤلاء. النظاميون القتلة هم هؤلاء. القتلة القياميون الجهاديون التكفيريون هم هؤلاء. والضحايا هم هؤلاء. أما الأديان، الملل والطوائف والمذاهب، فهي هذه. فأين المفر؟! لن تتغيّر أقدارٌ ومصائر بالفرجة التراجيدية البلهاء، ولا معها ستتغيّر اللعبة الإقليمية والدولية، وإن تغيّرت الأدوار والمعطيات والتفاصيل.

* * *

أيها المواطنون والقرّاء، أدعوكم فوراً إلى عدم الرضوخ للعبة الأمر الواقع القاتلة، فهي مكشوفة. لا تكونوا القطعان في هذه المجزرة. أدعوكم على الفور إلى هجر الاهتمام العبثي بما يقال إنه سياسة. اهربوا فقط أيها الأصدقاء. اهربوا إلى الشعر، قبل فوات الأوان.

نحتاج، كأوروبا، إلى خمسمئة عام من الحروب الدينية (هل أقول الحروب الجنسية؟!). إذا أردتُ الإمعان في الهلوسة الرؤيوية الأبوكاليبتية، فلا مفرّ من أن تنتشر سياسةٌ واحدة تفرّج عن الكرب التاريخي، الديني، الجنسي، العقلي، المكبوت: سياسة النكاح العقلي، والنكاح الجسدي، والاغتصاب والانتهاك والقتل والموت والظلام والرعب. خلالها يجب أن تدفع الشعوب المارقة، الجزية والذمة. الشعوب كلها، لا فقط أهل الأديان الأخرى. ويجب أن تُحكَم بأمر الله. وأن تُعدَم بأمر الله. وأن تُنكَح بأمر الله. وأن يستببّ العدم بأمر الله. قبل ذلك لا خلاص. ودون ذلك لا خلاص أيضاً.

هلوسات التلمود والتوراة ستحكم العالم. وسيحكم العالم أيضاً ما يكمل هلوساتهما، وما يرثهما من أحكام، عربية، ودينية. عبثاً يُبحَث عن خلاص. اهربوا. اهربوا أيها المواطنون. لم يعد ثمة موضعٌ للشعر، ولا للحبّ، ولا للفنون، ولا للحلم. ولا أرض، لنا، بعد الآن. الأرض هي فقط الجنّة الموعودة. مخطئٌ كلّ مَن يعتقد أن الجنة ليست هنا. بل هي يجب أن تكون هنا. لا في مكان آخر. فافحشوا أيها المكبوتون هنا. وانكحوا هنا. الحروب الدينية لا بدّ أن تكون أيضاً حروباً جنسية. فاكتتِبوا في الحروب وفي الفحشاء أيها المكبوتون، قبل أن تنفد التذاكر وتمتلئ الأماكن. الأرض، على جسامتها، لن تتسع لهذه الفحشاء، ولا لهذه الضغائن، ولا لهذه الشهوات العقلية المكبوتة. شعوبٌ بكاملها تريد أن تُحكَم بما يقال إنه الدين، وأن يُفسَح لمكبوتاتها العقلية والجنسية كي تخرج من القمقم. أيّ أرضٍ تتسع لهذه المكبوتات الكونية الهائلة؟!

* * *

العالم لن يكون جميلاً عمّا قريب. قد يصبح جميلاً في ما بعد. قد يصير جميلاً في أحد الأيام، لكن ليس عمّا قريب. فاهربوا الآن. اهربوا أيها المواطنون، إلى الشعر، وإلى حيث تريدون. لكن، اهربوا قبل فوات الأوان!

عن النهار اللبنانية

×
أخبار
فايننشال تايمز: السقوط السريع لـ "المَخَا" يضع السعودية أمام اختبار استراتيجي متجدد على الساحل الغربي لليمن الذكاء الاصطناعي كاد يشعل حربا بين أمريكا والصين بسبب تقديره الخاطئ كتاب جديد لديفيد كورن يرصد عقداً من "الحرب الرمادية" الروسية للتأثير في السياسة الأميركية ترامب يعلن منع وسائل إعلام أميركية من دخول البيت الأبيض تحقيق عبري يفتح ملف تمويل حماس و أموال قطر تهز نتنياهو أ  ب: انهيار مبنى مميت في غزة يكشف مخاطر السكن وسط تعثر جهود إعادة الإعمار غوتيريش يأسف لرفض أمريكا منح مسؤولين فلسطينيين تأشيرات لحضور اجتماعات الجمعية العامة سنتكوم: تغيير مسار 105 سفن تجارية منذ استئناف الحصار على إيران مسؤول: أزمة حدود سبتة تعزز صعود اليمين المتطرف في أوروبا السجون الفيدرالي الأمريكي يضع شرطا قبل زيارة رودريغيز لمادورو في سجنه باكستان تؤكد "المضي الى أبعد مدى" في الدفاع عن السعودية صحيفة تتساءل: صمت "حماس" على الاغتيالات التزام بالهدنة أم فقد لقدرة الرد؟ القرن الأفريقي ساحة تنافس جديدة: النفوذ المتكامل لتركيا يقابله الحسابات البحرية لإسرائيل خبراء ودبلوماسيون: السعودية تعيد رسم عقيدتها الأمنية دون التخلي عن "المظلة الأمريكية" إصابات وتوغلات متصاعدة جنوبي لبنان وسط استمرار الخروقات لـ"اتفاق صيغة الإطار" سجال حول انحياز "نيويورك تايمز": الصحيفة تعتذر وتعدل مقالا حول قتلى 7 أكتوبر الشيخ يطالب بروكسل بالضغط على إسرائيل لتسهيل الانتخابات واحتجاز «المقاصة» تقرير: 3 سيناريوهات ترسم مستقبل المواجهة السعودية-الحوثية تصعيد ميداني واعتداءات للمستوطنين وقوات الاحتلال تطال محافظات الضفة والقدس الجامعة العربية ترحب بالقرار الأممي بشأن مشاركة دولة فلسطين في أعمال الجمعية العامة مركز "عدالة" يرد على طلبات شطب القوائم والنواب العرب وعوفر كسيف من انتخابات الكنيست شهيد وإصابات في خروقات إسرائيلية متواصلة بغزة وارتفاع ضحايا المباني الآيلة للسقوط شهادات ضباط إسرائيليين تكشف جرائم الذكاء الاصطناعي والنهج المتعمد لقتل مدنيي غزة مقررون أمميون: حظر 12 دولة التجارة مع المستوطنات الإسرائيلية خطوة متأخرة بالاتجاه الصحيح ميرتس: لقد انتهى عهد الصداقة الأوروبية "غير المشروطة" مع الولايات المتحدة استطلاع: 71 % من الأمريكيين لا يثقون برؤية ترامب لإنهاء حرب إيران قطر تعلن توقيع اتفاقية مع الأمم المتحدة لإدخال نحو 1.3 مليون لتر من الوقود إلى قطاع غزة استطلاع: تراجع كبير لحزب نتنياهو الليكود وآيزنكوت يتقدم ..والقوائم العربية هي الحسم صفعة أممية لأمريكا..تصويت عالمي في الجمعية العامة لصالح حضور وفد فلسطين ف.تايمز: قائد الجيش الباكستاني منير يحث إيران على كبح الحوثيين

جميع الحقوق محفوظة لـ أمد للاعلام © 2007 - 2026

✔ تم نسخ الرابط