تاريخ النشر: 2018-09-17 | 00:18
تاريخ النشر: 2018-09-17 | 00:18
بعد حرب أكتوبر عام 73 نشطت الدبلوماسية الأمريكية في الشرق الأوسط للتوصل إلى حل بخصوص الصراع العربي الصهيوني و للقضية الفلسطينية بشكل خاص باعتبارها القضية المركزية للأمة العربية وجوهر الصراع في المنطقة وكان على رأس الدبلوماسية الأمريكية وزير الخارجية الأمريكي هنري كيسنجر اليهودي الألماني الأصل وصاحب نظرية الخطوة خطوة وقد تكللت المساعي الأمريكية إلى التوصل لاتفاقية كامب ديفيد بين مصر السادات والكيان الصهيوني في عهد رئيس الوزراء الارهابي مناحيم بيجين زعيم أحدى العصابات الصهيونية المسلحة وكان ذلك اول اختراق صهيوني للجدار العربي الرسمي الرافض لوجوده كعنصر دخيل على نسيج المنطقة الحضاري ولقد أحدثت تلك الاتفاقية صدمة كبيرة في الوطن العربي قابلها النظام العربي الرسمي برد فعل غاضبة بسبب خروجها على قرارات قمة الخرطوم الذي انعقد بعد هزيمة يونيو حزيران 67 والمعروف بقمة اللاءات الثلاث لا تفاوض ولا اعتراف ولا صلح مع الكيان الصهيوني غير أن النقد العربي الرسمي والشعبي الذي وجه للنظام المصري لم يكن كفيلا بوقف الانحدار في الموقف السياسي العربي فمساعي السياسة الأمريكية لإنهاء الصراع العربي الصهيوني قد استمرت بتراجع المد القومي وبروز الدور الخليجي العربي وقد اتسمت المرحلة بعد ذلك بطغيان فكرة الواقعية السياسية على الصعيد العربي و على الصعيد الفلسطيني كان الميل جارفا إلى التوافق مع إيقاع التسوية السياسية العربية خاصة بعد إخراج قوات الثورة الفلسطينية من بيروت وفقدان الساحة اللبنانية كقاعدة انطلاق للثورة الفلسطينية فكانت المباحثات الأمريكية الفلسطينية في تونس التي كان ينظر إليها على انه اول اهتمام أمريكي رسمي بمنظمة التحرير الفلسطينية وبدورها التمثيلي في أي مباحثات سياسية قادمة خاصة بشأن القضية الفلسطينية غير أن هذا الاهتمام الأمريكي بالمنظمة ظل باهتا حيث حضر في مباحثات مؤتمر مدريد وفد أردني فلسطيني مشترك قبل أن تملي الحاجة السياسية الموضوعية لإنجاح المؤتمر إلى ضرورة تمثيل فلسطيني مستقل وقد شكل المؤتمر على الرغم من عدم توصله إلى نتائج هامة ملموسة على صعيد التسوية نقطة ارتكاز لمباحثات فلسطينية إسرائيلية في النرويج توجت بالتوصل اخيرا إلى اتفاقية اوسلو برعاية امريكية بين منظمة التحرير الفلسطينية والحكومة الإسرائيلية وبهذه الاتفاقية الذي تم التوقيع عليها في احتفال في حديقة البيت الأبيض بواشنطن حضره الرئيس الأمريكي الأسبق كلينتون حقق المشروع الصهيوني اول إنجازه السياسي الاستراتيجي التاريخي بعد تأسيس الكيان الصهيوني لأن الاتفاقية هذه المرة لم تتم مع أي طرف في النظام السياسي العربي الرسمي كما حصل مع مصر سابقا بل تمت مع الطرف الرئيسي في الصراع وهو منظمة التحرير الفلسطينية الممثل الشرعي الوحيد للشعب الفلسطيني والفرق كبير في الحسابات السياسية والأمنية الاستراتيجية بين أن يكون الطرف الفلسطيني صاحب القضية هو الذي يتنازل عن 80 % من أرضه لصالح (إسرائيل) وبين أن يكون الاتفاق مع أي طرف عربي آخر .. كان لابد للسياسة الأمريكية حتى تنجح مساعيها الدبلوماسية من جر الشعب الفلسطيني إلى الإعتراف بالكيان الصهيوني الذي أقيم على أنقاض وطنه بعد حملة الإقتلاع والتهجير بسبب المذابح الصهيونية وكان ينظر إليه من قبل الحركة الصهيونية بأن اعترافه بمشروعها السياسي الاستيطاني التهويدي هو العامل الحاسم في الموقف القومي العربي الرافض لذلك جاءت اتفاقية اوسلو لتحقق ذلك الهدف لأنها تنطوي على تنازلين خطيرين أولهما : الاعتراف بالدولة العبرية مقابل الاعتراف فقط بمنظمة التحرير الفلسطينية دون الاعتراف بالدولة الفلسطينية المستقلة وعاصمتها القدس الشرقية كما هو في صياغة البرنامج المرحلي ثانيا :اعتمادها في التسوية على حدود الرابع من يونيو حزيران 67 دون التمسك بقرار التقسيم الصادر من الأمم المتحدة عام 47 والذي على أساسه تم اعلان قيام الكيان رسميا في 15 مايو عام 48. .وهكذا تنطوي اتفاقية اوسلو على خطأ سياسي تاريخي وعلى خلل منهجي وهذا الخطأ والخلل فضلا ما ينطوي عليه من تنازل سياسي للمشروع الصهيوني فإنه يتجاهل طبيعة تكوين الكيان الصهيوني الدينية و اليمينية المتطرفة الذي يمارس سياسة التعنت والمراوغة والمماطلة وعدم التقيد والالتزام بالاتفاقيات السياسية الموقعة معه لذلك لم تعمل اتفاقية اوسلو على الوصول إلى الحل النهائي حسب المدة الزمنية المتفق عليها بل كانت هي العقبة الحقيقية للتوصل إلى تسوية فلسطينية إسرائيلية نهائية بما وفرته من فرصة زمنية لتحقيق المطابع التوسعية في القدس وسائر أراضي الضفة الغربية التي احتلت في عام 67 وما يجري الان في الخان الاحمر هو جزء من هذه السياسة التوسعية ..لقد كانت اتفاقية اوسلو بداية غير موفقة نحو تحقيق البرنامج المرحلي الذي أقره المجلس الوطني الفلسطيني في دورته عام 73 والمعروف ببرنامج النقاط العشر مسايرة لنهج التسوية العربية الإسرائيلية لأن باتفاقية اوسلو تحولت الثورة الفلسطينية المعاصرة إلى سلطة مدنية في اطار الحكم الذاتي ولتحل مكان منظمة التحرير الفلسطينية الذي أصاب دورها التهميش بتحول وظيفتها التمثيلية إلى مجرد مكتب في العاصمة الأمريكية واشنطن قامت الإدارة الأمريكية باغلاقه في اطار عدوانها غير المسبوق على الحقوق الوطنية الفلسطينية المشروعة ..باتفاقية اوسلو تحولت القضية الفلسطينية من قضية تحرر وطني وديموقراطي إلى قضية سياسية كقضايا السياسة الدولية المزمنة التي لم تجد حلولا سياسية مناسبة لها بسبب طبيعة المعادلة الإقليمية والدولية وكذلك إلى قضية إنسانية بسبب تولى وكالة الاونروا مسؤولية تقديم الخدمات للاجئين الفلسطينيين في داخل الوطن والشتات وهي التي تمر الآن بأزمة مالية بسبب قطع المساعدات المالية الأمريكية عنها ..بتوقيع اتفاقية اوسلو زاد نهم العقلية اليهودية التي يسكنها خرافات التوراة والتلمود إلى مزيد من نهب الأرض الفلسطينية بإقامة المستوطنات في الضفة الغربية التي قطعت أوصال المدن الفلسطينية الرئيسية الى كانتونات سكانية منعزلة ..باتفاقية اوسلو تم فتح الأبواب العربية مشرعة على مصراعيها أمام الدول العربية لمزيد من الاعتراف السياسي بتعميم نهج كامب ديفيد فكان توقيع اتفاقية وادي عربة بين الكيان الصهيوني والمملكة الأردنية الهاشمية ..باتفاقية اوسلو تم إيجاد المبررات لبعض الدول العربية خاصة الخليجية منها للقيام بإجراءات التطبيع مع الكيان الصهيوني الذي اتخذ أشكالا مختلفة من زيارة المسؤولين إلى تل أبيب إلى فتح مكاتب التمثيل التجاري والإعلامي إلى الميل علنا للتحالف مع الكيان الصهيوني ضد النفوذ والتمدد الإيراني ؛ والسؤال ماذا تبقي بعد ذلك من اتفاقية اوسلو التي مضى عليها أكثر من عقدين من الزمن دون أن تتحول السلطة الوطنية الفلسطينية إلى دولة مستقلة ذات سيادة كاملة كما هو حال دول المنطقة والعالم . . . بعد وصول مشروع حل الدولتين الذي يحظى بإجماع دولي إلى طريق مسدود بسبب تعنت الكيان الصهيوني وتخلي الإدارة الأمريكية عنه لصالح ما تسمى بصفقة القرن التي تروج في العواصم العربية عبر كوشنر اليهودي صهر الرئيس الأمريكي والمبعوث الخاص للمفاوضات غرينبيلات هل من الممكن ان يكون هناك مبرر وطني وأخلاقي لاستمرار التمسك باتفاقية اوسلو وعدم إلغائها لتصحيح الخطأ السياسي التاريخي الذي وقع فيه المفاوض الفلسطيني؟