تاريخ النشر: 2018-08-28 | 18:49
تاريخ النشر: 2018-08-28 | 18:49
من الواضح أن الإدارات الأمريكية منذ 1979 عام انتصار الثورة الإيرانية اتخذت قراراً استراتيجيا ورؤية مستقبلية وخطط كافية حشدت لها كل الوسائل والأساليب والامكانات لاحتواء الثورة التي خرجت عن المألوف في منطقة أريد لها أن تكون موبوءة بالاعتراف بإسرائيل وبالعلاقات الأمنية العميق مع المؤسسات الأمنية الصهيونية وأن تكون منطقة نفوذ كامل للمصالح الأمريكية.
اكتشف العرب والمسلمون فجأة إيران وأهلها بعد أن كان شاه إيران صديقاً وفياً معلناً للكيان الصهيوني في علاقات عميقة يبتز العرب لاسيما في الخليج العربي ويذل حكامهم ويسهم مع الأجهزة الأمنية الصهيونية في تكوين جيش الانفصاليين الاكراد في شمال العراق بقيادة الملا مصطفى البرزاني ولم يتوقف ذلك التدل إلا بعد اتفاقية رعاها الرئيس الجزائري هواري بومدين سنة 1975 بين العراق وايران وكان التعاون العسكري بين الكيان الصهيوني وايران على قدم وساق لذلك كان خروج إيران عن هذا النهج غير مقبول لدى الأمريكان.
شن الأمريكان منذ اللحظة الأولى الحصار على إيران وجمدوا أموالها واوقفوا مشاريعهم التنموية فيها وشنوا حملة دبلوماسية وإعلامية وسياسية كبيرة عليها وحركوا المنطقة لتفرض حربا على إيران لمدة ثماني سنوات كبدت البلد خسائر بشرية ومادية فادحة وأطلقت المخابرات الامريكية العنان للمجموعات المسلحة في الداخل الايراني لتقوم بأوسع موجة اغتيالات وتفجيرات تطال قيادات كبيرة على راسها رئيس الجمهورية ورئيس الوزراء ورئيس البرلمان وعلماء دين كبار وقيادات عسكرية وسياسية، وقامت المؤسسات الغربية بشيطنة ايران من خلال مواقف دول ومؤسسات وهيئات رافعة في وجهها شعارات طائفية وعرقية.
حصل الفارق عندما اخذت الإدارة الأمريكية قرارها بتدمير العراق الذي خرج من حربه مع إيران بجيش مزود بالسلاح المتطور والخبرات القتالية الفائقة الأمر الذي دفع قياداته إلى الأعراب عن ضرورة التحرك نحو جبهات القتال ضد العدو الصهيوني وهنا كانت المؤامرة بان استدرج العراق الى اجتياح الكويت تحت غطاء من حجة تاريخية ان الكويت جزء قد سلخ من العراق، كانت المصيدة التي انتظرها الأمريكان طويلا ولم يستطع النظام العراقي الخروج من الورطة بسلام ووجد الاقليم فرصته في التخلص من قوة العراق ودوره.
هنا ارتكبت ايران خطأ استراتيجي عندما لم تستجب لنداء الشرفاء والاحرار والمسلمين في العالم بأن تأخذ موقفا مع العراق ضد العدو الخارجي لم يستطع الايرانيون التحرر من إجراء حرب الثماني سنوات ولم يستطيعوا أن يقدروا بأن الحياد في مثل هذه الحروب يحسب عليهم وليس لهم فالتاريخ لا يسير حسب رغباتنا بل حسب صيرورته لم يستطع الايرانيون الارتقاء إلى مواقف تاريخية بالانحياز إلى العراق كما هتف فيهم السيد الكبير اية الله محد حسين فضل الله وغيره كثيرون من شيعة العرب وسنتهم.
لقد كان مفهوما إلى حد ما في جو الخصومة أن تاوي إيران كل المعارضة العراقية المحقة والمرتزقة كما كان العراق يحوي المعارضات الايرانية المسلحة ويزودها بالسلاح والمال لاستهداف ايران لكن لم يكن مقبولا ابدا في ظل الحرب مع امريكا ان يقف أي مسلم او عربي في خندق البين بين.
كان هذا هو الخلل الاستراتيجي في مسيرة الثورة الايرانية الذي سيفتح عليها بابا واسعا للانتقادات والتشكيك في المسار لم تتوقف أمريكا عند حد توجيه ضربات قاصمة للجيش العراقي بل واصلت حصارها وحربها صولا الى الاجتياح فاصبح العراق كله مرتعا للعملاء والمرتزقة الذين كانوا ادلاء لقوات الاجنبي وعدوانه.
حاولت ايران الدخول للملف العراقي بأشكال عديدة وقد تكون هناك تصرفات متجاوزة ليست بعلم القيادة الايرانية ولا بتوجيهاتها المهم ان الانطباع العام لدى العراقيين أن ايران أخطات في حقهم وانها دخلت لتتملك في العراق كما يشار الى عملية شراء عقارات بشكل واسع في النجف وكربلاء من قبل رؤوس اموال ايرانية وان هناك تدخلا واضحاً من قبل الايرانيين بالشكل الذي لا يقبله العراقيون وعلى هذا قامت مظاهرات عديدة تطالب بوضع حد للنفوذ الايراني كان ابرزها موقف مقتدى الصدر وحركات سياسية عديدة.
لكن لابد من الاشارة إلى أن إيران هي من اوقف تقسيم العراق على ثلاثة دول فلقد كان المخطط الأمريكي الذي أعلن عنه باراك اوباما يقتضي ان يمتلك العرب السنة اقليم والعرب الشيعة اقليم والاكراد اقليم ثالث ومما لاشك فيه ان الايرانيين هم من افشلوا هذا المشروع.
ومما لاشك فيه ان هذا يمثل ضربة للمخطط الامريكي رغم ان حكام العراق المشتتين والتنازعين والمتفقين فقط على لإفساد السياسي هم وصفة جيدة للحكم المخرب الضامن ضياع البلد.. كل ما يمكن قوله بشان التدخل الايراني في العراق بعد الغزو الامريكي أن له وعليه حاولت إيران من خلاله ان تخرج من إطار الحصار المفروض وتمتلك بعض اوراق القوة التي تمنحها فرصا اضافية في مفاوضات قادمة مع الغرب.
تسارع الهجوم الامريكي على المنطقة بعد سقوط العراق في مشروع أطلق عليه الأمريكان الشرق الأوسط الجديد كما صرخت بذلك كونداليزا رايس وزيرة الخارجية الأمريكية وكما طبق الرئيس الامريكي باراك اوباما مشروعه الربيع العربي لإسقاط عواصم العرب واحدة تلو الاخرى وتفتيتها وتكريس الضمانات الاستراتيجية لاستمرار وجود اسرائيل و وتفوقها الامني فكانت سورية وليبيا تمهيدا لانطلاق اخر هنا تحركت ايران بكل ثقلها للتصدي للمشروع الامريكي في المنطقة ولئن سكتت امريكا نسبيا عن التدخل الايراني في الشأن العراقي فان امريكا والغرب جملة وحلفاءهم في المنطقة وجدوا ذلك كافيا لتحشيد كل القوة والدخول في الملف السوري.
كانت ايران بكل وضوح ترى في حماية حزب الله وبقائه قوة متقدمة لها في منطقة حساسة تكسبها اوراق ورقة لأي مفاوضات قادمة وتحصنها بعناصر قوة تفرض على الاخرين العد للمرة الالف قبل العدوان على ايران التي تجد نفسها بعيدة عن خط المواجهة مع اسرائيل التي تحرض ضدها وتستعد لشن عمليات عسكرية واسعة ضد اهداف حيوية في ايران حينها ليس لإيران الا حزب الله وقواته التي تجد دعما غير مشروط لقصف اسرائيل وايلامها بعمق.. وحزب الله لن يكون في ما من رياح الربيع العربي حيث تحرك القوى السلفية التي تكفر الشيعة وحزب الله وتتزود برغبات وتوجيهات من قبل المشغلين للقضاء على حزب الله ولقد صرح قادة فصائل المعارضة المسلحة بانهم سيتوجهون الى لبنان للقضاء على حزب الله وهم في ذلك يكونون قد حققوا احد اهم الأهداف الإسرائيلية والأمريكية، من هنا كان الوقوف الايراني مع سورية غير محدود ومع ان النظام السوري لم يكن في لحظة من اللحظات يريد ان يصطف في محور ما لأسباب سياسية وديمغرافية وجيوسياسية الا انه قبل بقدوم مستشارين وخبراء وقد يكون قادة ميدانيين ايرانيين يساعدون الجيش السوري في ترتيبات الحرب وتكوين قوات الدفاع الوطني وهي قوى شعبية مسلحة.
لقد كان التدخل الإيراني في ساحة الصراع على ارض سورية مهما وحاسما وضروريا للقضاء على فرصة تفتيت البلاد واقامة امارات تطرف مرتبة ومتصارعة.. وهنا تكون ايران في معركة تسجيل النقاط قد حققت اهدافا مباشرة في مواجهة المشروع الامريكي لكنها جميعا تقع تحت دائرة التهديد المحتمل.
تكون القيادة الايرانية تعرف جيدا انها لن تحقق في العراق اكثر مما حققت فلقد تحركت الوطنية العراقية العنيدة من جديد وبدا التذمر من الوجود الايراني ولئن حققت ايران بعض الاهداف من دخولها على الملف العراقي الا انها خسرت كثيرا ولعل كل منجزاتها في العراق تحت طائلة التهديد فيما لو استمر الحراك العراقي الوطني الرافض للتواجد الايراني الامر الذي يعني احتمالات احداث خسارات في جملة المحصلة.
وفي سورية يبدو ان الروس الذين دفعوا كثيرا وكان لهم الدور الحاسم في القضاء على المسلحين لن يسمحوا بتمدد الايرانيين لتحقيق بعض المكتسبات الاستراتيجية كان يكون لهم ولأنصارهم مواقع عسكرية على الحدود مع فلسطين الى درجة ان القوات الروسية قامت بقصف مواقع لمقاتلين حاولوا التمركز على الحدود ومن خل الاتصالات الروسية الاسرائيلية يكون الروس قد امنوا الصهاينة بان ايران لن تكون بالقرب من الحدود وذهب الايرانيون إلى التأكيد بان لهم مستشارون فقط بطلب من الدولة السورية.. لكن مما لاشك فيه ان ايران استراتيجيا حققت اهدافا كبيرة منها انها اصبحت دولة يؤخذ برايها في ترتيبات المنطقة ولو مؤقتا وانها استطاعت ان تسهم في انهاء المشروع التفسيخي في المنطقة وانها ابعدت عنها شبح الارهاب المسلح الى حين.
لم يترك الامريكان لإيران فرصة تذوق حلاوة انجازاتهم في ظل اتفاق نووي يسمح لإيران ان تدخل نادي الدول النووية وتصبح قادرة على انتاج كهرباء تغطي ايران ودول الجوار.
لقد عز على الامريكان ان تفلت ايران من العقوبات وتستغل اموالها في تنمية ضرورية وتقوم بتخفيض معدلات البطالة وفتح مجالات العمل والتنمية فلن تمض اشهر قليلة على الاتفاق النووي الذي يتم بموجبه رفع الحصار العالمي عن ايران ورفع قرارات التجميد على الاموال الايرانية المحتجزة و وفتح الباب امام الشركات الغربية للاستثمار في ايران وبدا التبادل التجاري مع اوروبا وتزويد ايران بالتكنلوجيا والطائرات المدنية.
نظرت أمريكا إلى إيران إنها موجودة بنفوذها في العراق وبتدخلها في سورية ولبنان من خلال حزب الله وفي اليمن من خلال الحوثيين وفي البحرين وهكذا تصبح ايران عنصر ازعاج كبير للتحركات الامريكية بعد ان اصبحت الى حد كبير تتحكم في مضيق هرمز وتهدد مضيق باب المندب وتقف على شواطئ المتوسط.
فأصبح إيقاف العمل بموجب الاتفاق النووي امرا ضرورياً للأمريكان فهو وحده القادر على اعادة الصراع الى نقطة صفر مع ايران وان يدفع بإيران الى مواجهات حادة في الداخل والخارج وهو حسب التصور الامريكي من سيفقد ايران كل مكتسباتها عبر 15 سنة الأخيرة.
يدرك القادة الايرانيون انها أصعب المراحل وأن الحصار الذي طال أمده يكاد يتوج بانفجارات داخلية عنيفة وانه هو من غطى الفساد الذي يتم الحديث عنه ي بعض دواليب الحكم وان الحصار رغم الصمود الكبير الذي ابداه الايرانيون قد آذى المجتمع الايراني الذي يجد نفسه منقسما الان كما لم يحدث من قبل فلقد كانت المظاهرات الايرانية في الاوقات الاخيرة متركزة على ضرورة تغيير نهج الدولة الايرانية ولانسحاب من مواقف الثورة والانغلاق على الداخل الايراني وعدم التدخل في الملفات العديدة الاخرى وهذا بالضبط ما تريده الادارات الامريكية مرحليا.
ويدرك القادة الايرانيون ان امريكا لن تتوقف عند حد في هجومها فهي قد تشن هجمات مسلحة تستهدف مصالح استراتيجية في ايران في اطار خطة لتحريك المعارضة المسلحة والسياسية المتنوعة واحداث فوضى في البلاد.. ومن المحتمل قريبا تمنع ايران من بيع نفطها كما ان هناك اجراءات قاسية عقابية تحرم ايران من العملة الصعبة بل وبيع مدخراتها من الدهب والمعادن الثمينة.
ان ايران راعت كثيرا عدم استفزاز الأمريكان والإسرائيليين إلى حد كبير مؤقتا على الاقل فهي تقف مع حزب الله وتسلحه لكن دون ان تسمح له بالاشتباك المستمر في حرب استنزاف مع العدو الصهيوني وهي تدعم الفلسطينيين ولكن دون ان توصلهم الى مستوى ايلام العدو الصهيوني بشكل مخيف كما تدعم سواهم في مناطق أخرى.
وهي تتكلم عن قدراتها على تدمير الكيان الصهيوني فيما لم تقم باي رد عملي على استهداف اسرائيل للمستشارين الايرانيين في سورية او العلماء الايرانيين في ايران بمعنى أن ايران تقم بحسبة دقيقة في مسالة الاشتباك مع الامريكان ورغم ذلك فان امريكا لم تتوقف عن خلق الازمات لإيران ودفع كل قوى المنطقة للتكتل امامها لإيقاف مشروعها في ايجاد عناصر قوة لها تمنحها التربع في دائرة صنع القرار في المنطقة.
إلى أين تتجه ريح المواجهات بين جبهة إيران وجبهة الأمريكان؟
لابد هنا من التأكيد ان الايرانيين يدركون ان تحالفهم مع روسيا قائم على نقاط مشتركة ومصالح محددة فهو ليس تحالف الابد ولا تحالف في كل شيء لذلك لا يمكن المراهنة على الروس في كل الملفات ولذا فان ايران لا تجد معها في المواجهة ضد المشروع الامريكي الا نفسها واصدقاءها الضعفاء الذين هم في واقع الحال عالة عليها.
هناك بقعة ضوء قد تكبر وتتنامى لصالح ايران وهي رعونة الادارة الامريكية التي تجيد فن كسب الخصوم وتوسعة رقعة العداء فلم تعد إيران وحدها مستهدفة فهناك الصين وروسيا وتركيا والمكسيك والبرازيل وهلم جرا وهذا من شأنه ان يحدث تكتلا دوليا يرهق الاقتصاد الامريكي باستبداله الدولار الى التعامل بعملات محلية بين هذا التكتل وهنا يمكن ان يوجه هذا الخطر السياسة الامريكية الى عزل ترامب او تغيير مسير العلاقات مع المنطقة بما فيها إيران.
معركة في فصلها الأخير هل تخرج ايران من المأزق المعقد؟
قد يحلو لبعض المتحدثين الايرانيين الكلام عن انجازات عظيمة في العلاقات مع دول غربية كما كان يردد بعضهم عن علاقات حميمية مع اوباما وكيري.. لكن بلا شك أن القيادة الايرانية تمسك بموقف ثابت قائم على الشك في أمريكا وأن الادارات الامريكية لا يؤمن جانبها وان الدول الاوربية منافقة مخادعة.
حتى الان ايران محاصرة لكنها منتصرة فهل يسقط حصارها انتصارها ام يتجاوز انتصارها حصارها؟ المسالة لها علاقة بإدارة الصراع وليس بصدق الناس ولا امانيهم ولا عقائدهم مع ان هزيمة امريكا ومشروعها في المنطقة هو امنية كل الاحرار والشرفاء في العالم، تولانا الله برحمته.