تاريخ النشر: 2016-01-05 | 09:41
تاريخ النشر: 2016-01-05 | 09:41
يتميز الشعب الفلسطيني بحبه للتعليم واندراجه في العملية التعليمية بنسبة عالية خاصة في المنطقة العربية، فتحرص كل عائلة فلسطينية على تخريج واحد على الأقل من بين أبنائها، طبعا مع التأكيد أن هناك أسر بأكملها متعلمة من الأب والأم والأبناء، ربما يكون الدافع مقاومة المحتل وتحديه، وربما هو موروث اجتماعي إيجابي أصبح في المجتمع الفلسطيني وربما تكون الرغبة في نيل العلم وتحصيل المعرفة سبباً أيضا بالإضافة إلى أسباب أخرى ترتبط بالدخل الأفضل وخلافه.
لكن وفي الحقيقة وجود هذه النسبة المرتفعة من الخرجين لم يحدِثْ التقدم المرجو بالدرجة المطلوبة، بل خلق أزمةً بطريقة غير مباشرة، وهي تكدس الخرجين غير الحاصلين على عمل أو وظيفة وهو ما طالما عُرف بـ(عاطل عن العمل)، واليوم درجَ مصطلح جديد يحمل نفس المعنى أو يعدل عليه ألا وهو (باحث عن العمل) لأن الخريج لم يحصل على عمل وتوقف فجأةً فأصبح عاطلاً بل هو في مرحلة البحث بعد، مما يجعل المصطلح منطقياً إلى حدٍ ما، و في هذا السياق يتبادر إلى أذهاننا الاستفسار عن أسباب تكدس الخريجين دون الحصول على فرص العمل؟
حملت مؤسسة بيالارا (الهيئة الفلسطينية للإعلام) بالتنسيق مع بعض مؤسسات القطاع الخاص والمؤسسات التعليمية مثل الغرف التجارية ووحدات الخريجين في الجامعات والشركات، حملت بعض الإجابات وفق دراسات أعدوها، وكان من أهمها هو توجه الطلاب إلى دراسة التخصصات التي لا تتناسب مع احتياج سوق العمل من جهة، وافتقار الخريج إلى بعض المهارات الهامة ذات التخصص التي يطلبها القطاع الخاص أو التدريب اللازم من جهة أخرى، بالإضافة إلى حاجة الخريج إلى التمتع بمهارات التواصل الجيدة وما يتعلق بالثقة بالنفس ولغة الحوار مع الآخرين (مهارات العلاقات العامة)، وكان هناك تسليط ضوء على المحسوبية والواسطة والتي تدخل في كل المجالات المرتبطة بالعمل، فمثلا بفِعْل الواسطة يذهب الطالب إلى أحد معارفه أو معارف الأهل من أصحاب الشركات لتغطية الساعات التدريبية المطلوبة منه ليستكمل متطلبات التخريج، فتُعطى له هذه الورقة موقعةً من تلك المؤسسة أو الجهة دونما تدريب فعلي مما يؤثر سلباً على توظيفه دون امتلاكه المهارت المطولبة، وتدخل أيضا المحسوبية في تعيين أقرباء وذوي المسؤولين في وظائف حكومية أو خاصة دون الحاجة إليهم فقط من أجل المجاملات والمصالح بين المسؤولين بعضهم البعض وبينهم وأصحاب المؤسسات والشركات، ولا يمكن تجاهل أمر مهم وهو عدم الإعلان عن الوظائف الشاغرة بالشكل الذي يصل إلى أكير شريحة ممكنة وأحيانا وليس دائما المقابلات الشكلية للمتقدمين للوظائف من باب رفع العتب، ولا يستثنى التوريث والاحتكار العائلي للوظائف في الشركات الخاصة والتي تبرر ذلك بأنها تبحث عن الأمان والثقة في المواضيع المالية لذلك يفضل أصحابها تعيين أبناءهم دون غيرهم.
ربما كانت الأسباب المذكورة آنفاً متفاوتة النسب لكنها موجودة وذات تأثير في آلية العمل والتوظيف، ومن هنا توجب على كل جهات الاختصاص القيام بواجباتها تجاه الحل، وأهم خيوط البداية ربما تبدأ من وزارة التعليم العالي والعمل حيث يفترض عمل دراسة متقنة حول حاجة سوق العمل إلى الوظائف من ناحية ومن أخرى المهن والحرف ويجب تشجيع الدراسة على تلك التخصصات التي بدورها ذات أهمية لا تقل عن بديلاتها، ويمكن الاهتمام بها بأكثر من طريقة مثل منح شهادات في تعلمها تُشعر المتقدم إلى دراستها أنه حامل شهادة في المستقبل، وأيضا بتوفير أماكن للعمل لهم، وهناك نقطة اعتقد أنها مهمة وهي الاهتمام بصقل الطالب الدراسي بالمهارات الشخصية وبجعل التدريب مساقات ضرورية مثل الأخرى الأكاديمية وتعليمه عمل سيرة ذاتية قوية تؤهله للتقدم إلى الوظائف المعلن عنها بقوة، وإضافةً إلى ما تقدم يُمكن الاهتمام بأبحاث التخرج وتحويلها إلى مشاريع صغيرة بدلا عن كون معظمها كلام نظري منسوخ عن كتب وأبحاث وإلغاء موضوع التلقين التعليمي وتوجيهه إلى التدريبي والتفكيري الذي يوسع من أفق الطالب ويجعله يتدرب ويبحث مما يُحسِن من نوعية التعليم ويضيف إليه مهارات هامة.
وأخيرا علينا أن نتذكر أن الكمية إن كانت المهمة فإن النوعية هي الأهم، فلسنا مضطرين للمباهاة بعدد خريجينا بقدر ما يهمنا رفعهم في تحسين أداء العمل في فلسطيني وإلى تقديم الفائدة للاقتصاد الفلسطيني وللمواطن.