تاريخ النشر: 2018-06-05 | 08:36
تاريخ النشر: 2018-06-05 | 08:36
مسيرات العودة دفعت بالشباب الفلسطيني إلى خط النار ( شارع البرودوي الفلسطيني على الخط الشرقي)، الخط الذي يعنون فعلهم سواء أكان بإنتمائهم إلى فصائل معهودة التسمية، أو كانوا خارج أشكال هذا الانتماء التقليدي، مما أفرز نماذج عمل وطني ذات هوية مختلفة الملامح عن ما يصر عليه إعلام الاحتلال الاسرائيلي من نموذج ..
بدءا من أبو ثريا على كرسيه المدولب، يختار جيش الاحتلال الأسلوب الذي يثبت عنجهيته في التعامل مع مسيرات العودة السلمية، يختار بدقة ضحيته، يريد كسر الإرادة الفلسطينية، تحت مساندة أمريكية وقحة في مجلس الأمن، وينتظر ردة فعل الشارع الفلسطيني الذي يتفاعل وبقوة على مواقع التواصل الاجتماعي وقنوات التواصل مع الصحف والتلفزيونات العالمية، مع تطور جيل فلسطيني يمتلك من مهارات وأدوات التواصل ما يمكنه من عرض قضيته الوطنية، باللغة والصورة، التفاعل هو ضخم مع ازدياد نسبة البطالة وانحسار أي إمكانية ترفيه تبتعد بالمتابع عن شاشته الصغيرة، وكثيرا ما يشد الفلسطيني خبره المحلي حول تطور الحالة على الأرض، بما يترجم له مباشرة مدى القدرة على التزود باحتياجاته الآنية للبقاء والاستمرار كفرد على أرضه..
تراكمت الحالة الشعبية نحو الانفجار منذ سنوات الانقسام الطويلة، إلى انسداد الأفق السياسي للسلطة الوطنية الفلسطنية، إلى آثار وويلات الحروب على غزة، والحصار الخانق على أجيال لا تعلم عن وسيلة نقل متقدمة الا من الانترنت ونشرات الأخبار والبرامج التلفزيونية، والانكشاف أكثر على الحالة الإقليمية المعقدة والمرتبطة بالحل الفلسطيني الممكن تنفيذه، حتى قرار الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بتقليص الدعم المالي للأنروا وكالة غوث اللاجئين ونقل السفارة الأمريكية إلى القدس، وفشل محاولات المصالحة المتكررة بين فتح وحماس نهايتها في الخصومات وعدم انتظام دفع الرواتب إلى موظفين غزة التابعين للحكومة الفلسطينية في رام الله إثر التفجير الأخير ومحاولة اغتيال رئيس الوزارء الفلسطيني رامي الحمد الله ورئيس المخابرات ماجد فرج، واتهام حماس، كل هذه الظروف مجتمعة وغيرها من الظروف التي لا يتسع السرد لذكرها، خلقت هذه الحالة الملتهبة من الغليان الشعبي.
تستهدف قوات الاحتلال كفاءات فلسطينية ذات مهن محددة من صحافة وإسعاف إضافة إلى الطلاب، الصحفي الثلاثيني ياسر مرتجى ذو الابتسامة الحانية، والمحبب إلى مختلف ألوان الطيف الفلسطيني والمعروف كشاب ملتزم، نلاحظ الاحتلال يختار أهدافه ما بين فئات عمرية متباينة، من ما فوق الأربعين حتى الثلاثينيات والعشرينيات وصولا إلى الأطفال، أما عن أحمد أبو حسين وأحمد العديني هم صحفيون بفكر تقدمي يقترب من اليسار الحاسم للموقف السياسي القائم، وصولا إلى ملاك الرحمة العشرينية التي ترتدي مريول الإسعاف الأبيض وحجابا أحمر يغطي رأسها، مع مكياج ناعم يكاد أن يرى على الوجه، مع فرصة تطوع مجانية للعمل في تخصصها، بعد دراستها للدبلوم، مع صديق يساري النهج حبشي الفكر كما يكتب في صفحته للفيس البوك، لأسرة فقيرة يحتاج بيتها للترميم من آثار حرب مرت، وتحتاج رزان النجار فرصة لإكمال تعليمها والعمل، ابنة جنوب القطاع في خان يونس، تنتمي للجبهة الديمقراطية ووالدها فتحاوي الانتماء، حماس تصر على تبني استشهادها، الهيئة العليا للمسيرات تتبنى استشهادها، حلا للنزاع الفصائلي بالتبني، والحالة سيدة الموقف، الشباب الفلسطيني يتنقل حديثاً بين تنظيمات اليسار لا تعجبه، لا تسد له ظمأ الحالة المعاشة من فكر وواقع وأزمة، يتركها بعد مرور زمن، يصلي يتعبد بطريقته، لكن لا يطيق التنظيمات الدينية الأيدلوجية، يبقى حر نفسه، وكل هؤلاء من استشهدوا كانوا في هذا الطريق، آخرون يجدون من فتح عجينة لينة للانتماء والتنصل والنقد والنقد الذاتي، ثم أيضا يبتعدون، لكن ماذا يبتعدون هذه المرة إلى سياج فاصل، يغادرون أواسط المدن ويتركونها للافتات تحمل بقايا صورهم، وحماس تصر على تصدر الحالة وإسرائيل تميل إلى أن تكون هذه المسيرات الشعبية إسلامية مدنية، تنتمي إلى اللوحة خلف إحدى خطابات رئيس المكتب السياسي لحماس السيد اسماعيل هنية لوحة غاندي ومانديلا ومارتن لوثركينج، تطور يستطيع الاحتلال رصد بنيويات تطوره، وربطه بمصالحه، وأول ما أعلن عنه حتى الآن هو دراسة حماس لفصل الملف الإنساني عن السياسي، وهو ما يترجم أهداف مسيرات العودة وفك الحصار في لغة حماس الحزبية، التي تنّظر عن تحرير فلسطين بشكل يختلف عن باقي فصائل العمل الوطني، فحماس لا تدرس حل سياسي فهي لا تعتبره إلا تفريطا وانهزاما..
أين تكمن بالونات الاختبار ، تكمن بمراقبة الاحتلال الحثيثة إلى ما هو فعلا النموذج المقاوم من بين الشباب الذي يخلق تضامنا حقيقيا على الأرض ويدفع بالناس من خلف شاشاتها إلى الشارع، يبدو أنه هذا النموذج الذي يتوزع بين شباب العمل الميداني ومن الاشتباك تخلق القادة، بعد تراكم زمني يناسب ظهورها، يتوزع بين ياسر ورزان والأحمدين وإبراهيم ووصال الشيخ خليل أول شهيدة في مسيرات العودة ابنة الأسرة المفككة والفقيرة في مخيم المغازي، والأسماء هي كثيرة نحن نتحدث عّن آلاف الجرحى وأكثر من ١١٩ شهيد، ولاننسى نموذج الضفة في السجون كما هي عهد التميمي التي اعتادت على هذا النوع من التظاهر والاشتباك، والشهداء باسل الأعرج خرامشي والمثقف المشتبك، وبهاء عليان وصاحب فكرة أكبر سلسلة قراءة حول أسوار القدس، وعناوين كثيرة ... قالت رزان نحنا قوة بدون سلاح، حتى ليبرالية الشعب الفلسطيني فيها من لغة الاشتباك الثقافي، ما يحدث هل يتجه بِنَا نحو حلم حماس الانعزالي بجغرافيتها وترسانتها العسكرية إلى حين، أو هؤلاء الشباب يعبرون ويتوقون إلى حالة اندماج ندّي مع العدو، في دولة واحدة وعلى أرض واحدة، الاحتلال لن يسمح بتمدد النموذج الأخير، يبدو أنه يميل إلى النموذج الأول، حماس ( بعلاقاتك التركية القطرية والإيرانية وانفتاحك الاضطراري على المخابرات المصرية ) أهلا بك في معادلة الردع الصامت، بعد استنفاذ العدو لضربات تظهر حسن النية، مع تنين نائم من الشباب، قد يهاجر وقد يبقى ليراقب حربك مع رواسبك الأخرى دواعشك الخلفية .. اسرائيل لا تستعجل حلا ..