تعم حاليا شبكات التواصل الاجتماعي حملة شبابية فلسطينية مطالبة بحرية الحركة والتنقل للمواطنين بين أجزاء الوطن الواحد شعاراتها (# بدنا نروح الضفة، # بدنا نروح غزة)، وشعارات مشابهة أخرى.
على الرغم من بساطة هذه الشعارات الا انها تعبر حقا عن تغيير عميق في فهم النضال الوطني الفلسطيني وربطه بالقيم الانسانية لهذا الزمن. حق الانسان بالتنقل والسفر الى أي مكان والعودة الى وطنه متى شاء، هو حق مؤسس لقانون حقوق الانسان للأمم المتحدة، فما بالك بحق الانسان بالتنقل داخل وطنه نفسه.
منذ سنوات عديدة خصوصا منذ بداية هذا القرن ومع انتهاء مرحلة التحرر الوطني للعديد من الشعوب بالعالم ودخولها الى عالم الديكتاتوريات في اغلب الأحيان كدولنا العربية، او الى عالم الرأسمالية المنتصرة في مناطق أخرى، دخلنا الى مفهوم أولوية حقوق الانسان وحقوق الفرد على أي اعتبار آخر، هذا ما رأيناه خصوصا مع ربيع الشباب العربي ضد الأنظمة الشمولية في مصر وتونس وغيرهما، المطالبة بالحرية والكرامة والعدالة، ظهر بعد ذلك في دول أخرى ديمقراطية ضد توحش الرأسمالية كإسبانيا كحركة (المستائين _البوديموس) التي حققت انتصارات في الانتخابات الاقليمية والمحلية قبل بضعة أيام وحركة "احتل وول ستريت"، وغيرها.
ان نضع مفهومنا لحقوقنا الوطنية من منطلق حقوق الانسان هو برأيي بداية رائعة لتموضع جديد للحركة الوطنية الفلسطينية حتى نستطيع ان تأخذ نفسا وتجمع حولها طاقات جديدة محلية وعربية وعالمية.
المطالبة بتحرير فلسطين ثم اختصار ذلك على إقامة دولة فلسطينية على ارضي 67 المحتلة، ثم القبول باقل من ذلك ( اتفاقيات أوسلو)، لم يعد برايي الهدف الاسمى الذي يجب ان نستمر بمحورة نضالنا وعملنا من اجله، فقد فشلنا في ذلك منذ اكثر منذ اكثر من سبعة وستين عاما، بينما إعادة ربط حق تقرير المصير للشعب الفلسطيني بحقوقه الإنسانية وربط النضال الفلسطيني بالنضال ضد الفصل العنصري كما حدث في جنوب إفريقيا وليس الى تأكيده عن طريق إقامة دويلات جديدة هي اقرب الى جمهوريات الموز الديكتاتورية منه الى مفهوم الحرية، هو اقرب الى استعادة حقنا في فلسطين.
لم يطالب نيلسون مانديلا بدولة للسود بجانب دولة للبيض، بل رفع شعار " ون مان ون فوت" أي كل مواطن له نفس الصوت ونفس الثقل لتحديد مصير بلده.
الربط بين حقوق المواطنة والحقوق الوطنية وليس الاكتفاء فقط بتلك الأخيرة كما حدث عندنا، المطالبة امام القانون الدولي والمجتمع المدني العالمي بحق الفلسطيني المقيم بالقدس بالتملك واعتباره مواطنا اصيلا وليس مقيما زائرا، حق أبناء الضفة وغزة والقدس وفلسطين المحتلة عام 48 بالتنقل الى أي مكان في موطنهم الام، حقهم في انتخاب ممثليهم وحقهم في التعليم والبناء، حق اللاجئ بالعودة الى قريته، كل هذه حقوق مدنية اتفقت عليها شعوب الأرض والقانون الدولي والرأي العام العالمي وليست شعارات سياسية وطنية قد تكون مصدر خلاف واخذ ورد.
وضع هذه الحقوق في قلب مطالبنا الوطنية سيوصلنا ان احسنا استعمالها الى وقفة الرأي العام العالمي والغربي معنا، كما فعل في جنوب افريقيا وسيفضح زيف دولة إسرائيل وسياستها العنصرية ممهدة الطريق لحملة مقاطعة اقتصادية وسياسية فعالة، والتي بدأ تأثيرها يظهر للعيان.
فهنيئا لشبابنا وشاباتنا بمبادرتهم التي تستحق منا بكل تأكيد التعريف والدعم.