تخيفه الانفجارات القوية.. حتى تلك البعيدة منها تهز جدران المبانى الخرسانية هزا عنيفا يهدد بقاءها.
ليس هناك من مفر.. القذائف تضرب أنحاء غزة بالعدل.. تطال المنازل والشوارع والمساجد والمدارس بنصيب كاف.
هذه القسمة شبه العادلة عممت الرعب وأوجدت أثرا إيجابيا مدهشا على الحركة في الشوارع والأسواق.
.. هذه عربات الأجرة تجوب الشوارع والميادين تلتقط الزبائن ولا تألوا.. الباعة المتجولون يتحركون من بين الأبراج السكنية يراودون ربات البيوت ببضاعة مزجاة.. الأسواق تعج بالناس باعة ومشترين، والأصوات تختلط مابين مدلل ومساوم.
يسقط الصاروخ علي المحل المفتوح.. يدمره بمن فيه، ومن على مسافة صغيرة تستمر المحلات الأخرى تمارس حركة البيع وإن شحَّت.. لا توجد صفارات إنذار.. حتى الأطفال تعالوا عنها.. وإن وجدت فهي بلا فائدة.. غزة بلا ملاجئ.. لا ملجأ من الله إلا إليه .. عربات الإسعاف تعمل بنشاط وعربات اللوري تنقل الأثاث والأفراد من مكان غير آمن لآخر غير آمن..
يقول هذا العسكري المأفون: (ما دمت تعاني من أصوات الانفجارات فأنت بخير!!).
حتى الآن يرى حاله مصادقا على القول الغريب.. لم تزل الرعود تثقب طبلتي أذنيه، ولم يزل حيا يرزق..
اقترب من مشفى الوفاء بشرق غزة، فأسرع يجتاز صالته المكتظة بالغادين والقادمين من العاملين والزوار..
_ لا بأس عليك حبيبي.. انت كويس.. كويس خالص.. الطبيب طمأنني عليك..
...... تململ الطفل على سريره من خلف ضماداته.. أخذ يتأمل الرجل دون أن ينبس ببنت شفة..
شعر به ضائقا من مواساته.. زاهدا بها، كأنما قد ملّ مثل هذه العبارت المكررة ..
أحس بنفسه يتضاءل أمام مشهد الطفل الملفع بالضمادات.. استعان بثقافته.. بمكانته كصديق صدوق للعائلة التي اغتالتها آلة الحرب وأبقت خطأً على هذا الطفل.. قال بلطف يقطر حزنا:
ـ أتريد شيئا حبيبي..
ـ أين أمي وأبي؟.. أين إخوتي؟.. لم أر أحدا منهم.
ـ بخير.. يعالجون من جروح مثلك.. ستراهم قريبا إن شاء الله
ـ أهلي ماتوا.. كلهم ماتوا.. أنتم تكذبون.. كلكم تكذبون
ـ من قال لك هذا؟
ـ عرفت بنفسي من وجوهكم.. من ردودكم.
ـ ألم تكن معهم؟
ـ كنت بالمنزل قريبا منهم أقوم بإصلاح عجلتي هذا كل ما أذكره قبل أن أجد نفسي هنا في المشفى.
ـ ألم تسمع شيئا.. صوت انفجار مثلا
ـ كلا لم أسمع شيئا..لم أحس بشيء.
... آه.. مرة أخرى يجد صدى مصادقا لأقوال ذلك العسكري البغيض ردا على مداخلة كانت له:
( لو شاء الله لك أن تكون هدفا لأحد الصواريخ، لن تحس بشيء.. قد تلمح شيئا كالبرق، ثم تنتهي.. ينتهي كل شيء لك.)
.. هذا العسكري الملعون ترك الجيش وتفرغ له.. لإجهاض أي اعتراض يبديه!!..
يوم ذاك كان قد أبدى استنكارا لهذه الرعود المصاحبة للانفجارات قائلا:
ـ ما ضر لو أن مصممي الصواريخ زودوها بكاتم صوت.. كفاية موت .. لازم دوشة وإزعاج وموت؟!!!..
... التفت نحو الطفل الملفع بالضمادات قائلا:
ـ بني.. ألم يكن هناك أي إنذار لكم.. طلقة تحذيرية مثلا؟!..
ـ كلا.. سمعنا قبلها بلحظة صوت طائرة حربية يقترب.. أتسمع؟!.. تماما مثل هذا الصوت الذي نسمعه الآن.. ومن بعدها...
.....انقطعت الأصوات خلا أصوات انفجارات مفاجئة.. خلَّفت غبارا ودخانا وبعض صيحات.. ثم ساد الصمت مفزعا....
.... في خبر عاجل أعلنت الفضائيات الخبر:
( قامت الطائرات الحربية الإسرائيلية بقصف مشفى الوفاء بشرق الشجاعية بثلاثة صواريخ جعلته ركاما على من فيه.. الضحايا بالعشرات من الجرحى والعاملين.. .من بين الضحايا الطفل هادي حلس الذي فقد أسرته قبل أيام بعد استهداف لمنزلهم وشاء الله أن يلحق بهم هذا اليوم هو وصديق لوالده كان يعوده بالصدفة)....