يرحم الله صديقي العزيز الدكتور بركات زلوم الذي صدمت برحيله وانا اقرا رثاء صديقي خالد مسمار له في صحيفة الحياة الجديدة يوم الاثنين ، وقد توهجت ذاكرتي باسم بركات زلوم الذي عرفته اول مرة في عام 1968 في اذاعة صوت العاصفة التي كانت تنطلق من القاهرة .
كنا في اول سنوات الشباب ان ذاك ، وكان طالبا في جامعة الازهر يدرس اللغة العربية ، وكان يقيم مع عدد كبير جدا من زملائه الفلسطينين في مدينة البعوث الاسلامية . شاب وسيم قوي البنية وحميد الاخلاق يتذكر على الدوام في سلوكه اليومي انه ينتمي الى عائلة خليلية محافظة ومرموقة ،كما ان اخوته الكبار كانوا اعضاء بارزين في الحركة الوطنية الفلسطينية في مدينة الخليل .
بركات زلوم ذو البنية القوية كان يملك صوتا نادرا ، صوت جبلي عريض قوي النبرات حين يقرا التعليقات السياسية القوية ،ويمتليء بالدفء والحنان حين يقرا الاشعار والكتابات الوجدانية ، وهكذا تعمقت علاقتي به اكثر لانه كان واحدا من الاصوات الجميلة الذي يقرا ما اكتبه في برنامجي اليومي الاشهر ان ذاك كلمات الى فلسطين .
بعد اغلاق صوت العاصفة في القاهرة يوم الثامن والعشرين من تموز 1970 انتقل بعضنا الى عمان للعمل في اذاعتنا الصغيرة العجيبة التي كانت تبث من جبل الاشرفية وكان اسمها الكودي (زمزم 105)ويشرف عليها المناضل الفتحوي واوطني الكبير يحيى حبش (صخر ابو نزار ) يرحمه الله ولكن بركات زلوم وانا لم يطل بنا المقام طويلا في عمان فقد صدرت لنا الاوامر من قائد الثورة ياسر عرفات يرحمه الله بالذهاب الى الجزائر لاطلاق اذاعتنا ، اذاعة صوت العاصفة صوت فلسطين من هناك، وبالفعل غادرنا عمان في نهاية شهر اب 1970 الى دمشق ومنها الى الجزائر ، وما كدنا نفتتح الاذاعة حتى وقعت احداث ايلول الماسوية وهكذا تركز جهدنا في اذاعتنا الجديدة تحت عنوان (يا سامع الصوت سلملي على عمان )فقد كانت عمان تحترق ، والحلم العادل الذي جسده الفدائيين وانتج بالتعاون مع ابطال الجيش الاردني معركة الكرامة الخالدة ، ذلك الحلم تحول لاسباب كثيرة معقدة الى كابوس يستعصي على الاحتمال .
من بين خصوصيات بركات زلوم الذي كان يتحلى باخلاق الفدائيين من صدق وشجاعة ووفاء للود والعهد ، كان عشقه الذي لا يضاهى للغتنا الجميلة اللغة العربية ، فواصل دراسته فيها وغوصه في بحارها العميقة ليصل الى حيث الدر واللؤلؤ، وتخصص في شعر الحماسة وفي شعر عنترة ابن شداد الشاعر الفارس المقاتل ، وحصل على درجتي الماجستير والدكتوراه وبقي في الجزائر يدرس اللغة العربية في جامعاتها ، اما نحن الاصدقاء القدامى فاخذتنا الدنيا في دروبها البعيدة واصبحنا نقرا اخبار بعضنا بالصحف او من خلال اصدقاء مشتركين حين نلتقي فنفتح خزائن الذاكرة لنعرف ماذا صنعت بنا ولنا الايام .
هذه تحية من الاعماق لذكرى اخي وصديقي العزيز الدكتور بركات زلوم ، فذكراه حاضرة في قلبي ، واكاد اسمع في وجداني صدى صوته القوي ، صوت من زمن الثورة ، ادى ما عليه باخلاص وجدية وشجاعة واعطى لشعبه وقضيته كل ما استطاع فله الرحمه ولروحة السلام .