تاريخ النشر: 2016-06-22 | 16:30
تاريخ النشر: 2016-06-22 | 16:30
تبادلنا الحديث والنقاش مع زميلي الأستاذ أحمد عابد على ما يبديه برنامج " طول بالك"، الذي تقدمه فضائية الكتاب في شهر رمضان المبارك، وهو فكرة وإخراج الفنان مؤمن شويخ، الذي يمثل ويشاركه التمثيل في البرنامج ثائر أبو زبيدة. والبرنامج كما يعرف المتابعون والمشاهدون له عبارة عن برنامج كاميرا خفية يبرز ردود الناس على مقالب غير منطقية. ولكن من الجدير بالذكر أن ما يتضمنه البرنامج من ردود أفعال من قبل السكان في قطاع غزة يعطي مؤشرات قوية لسمات الشخصية الغزية. ومن أهم هذه السمات هي المزاج الحاد وسرعة الانفعال لدى السكان وإن بدا ذلك أكبر لدى الشباب بحكم السن، وصفات المراهقة النفسية. وبدا واضحاً الاستعداد السريع لممارسة العنف اللفظي والجسدي. حيث شاهدنا اللجوء السريع لأغلبية من تعرض للمقالب للشتم والقذف والردح، واستخدام حتى الألفاظ البذيئة، وكان ذلك واضحاً لدى الأغلبية المطلقة ممن تعرض للمقالب حتى من كبار السن. أما العنف الجسدي فلا يقل استخداماً عن العنف اللفظي اللغوي. وتراوح ذلك بين استخدام كف اليد وقبضتها، أو الركل بالأقدام، أو استخدام الآلات الحادة من سكاكين وبلطات، وكذلك الأنابيب البلاستيكية " البرابيش"، والعصي ... الخ. ووصل الأمر في إحدى الحالات إلى إطلاق النار. ولم يكن المبرر كبيرا في تلك الحلقة لاستخدام إطلاق النار. وهذا يبرز فعلا الاستعدادية العالية للعنف لدى سكان قطاع غزة. وربما يعود ذلك بالطبع إلى بنية ثقافية لها أبعادها الاجتماعية والاقتصادية وما يعانيه القطاع من حصار ومشاكل فقر وبطالة. ومع ذلك نجد الاستعدادية لاستخدام العنف حتى لدى ابناء الطبقات الغنية والمتوسطة وإن كان بصورة أقل. ولا يمكن الجزم هنا بأن الشخصية الغزية قد أصبح لديها موروث تاريخي من الاستعداد للعنف لاسيما وأن الأحداث التاريخية تبرز الشخصية الغزية كشخصية تتسم بالشجاعة والبأس والصلابة والجلد، والعزة، والكرامة ومن هنا رأى البعض أن اسم غزة مشتق من العزة والإباء ورفض الظلم. وهذا ينطبق بالتأكيد حتى على السكان اللاجئين في غزة لأن معظمهم من قرى لواء غزة، ولجئوا إليه بعد حرب 1948م. ولذلك عندما نتحدث هنا عن سمات الشخصية فإنها سمات تجمع المواطنين الأصليين واللاجئين معا. وهنا استذكر ما كتبه الصحفي الفلسطيني الشهير عبد الباري عطوان في كتاب سيرته الذاتية (وطن من كلمات) عن مزاج بحر غزة الهائج "كان بحره ثائراً دائماً، وأمواجه عاتية، نادرا ما يهدأ. حتى إنني استغرب هدوء بحار أخرى ذهبت إليها في حياتي المهنية أو لقضاء إجازة مع الأسرة، أتسائل دائماً لماذا بحرنا صاخب ثائر عنيف دائماً بينما بحارهم هادئة ساكنة ... إنها بحار مخنثة". وهنا ينتابني التساؤل هل بحرنا هو من اكسبنا هذا المزاج العصبي سريع الغضب أم أننا نحن من أكسبنا بحرنا ثورته وعنفه.
واعتقد أن الموضوع بالفعل بحاجة لدراسة وتشخيص أكبر من الباحثين والدارسين في حقل علم النفس. فقد برز في الحلقات المتعددة للبرنامج أن هناك من سارع للعنف دون إعطاء الحوار والروية والمحاججة أي مساحة. بل هناك من شارع بالعنف مثل حلقة سرقة البنزين دون حتى أن يفهم الموضوع جيدا، فبمجرد أن شاهد أخوته أو أقربائه يضربون سارع إلى العنف والضرب. حيث أخذته حمية القرابة والعصبية الأسرية والقبلية حتى قبل فهم الموضوع. ولم يطبق حديث رسولنا الكريم عن أنس بن مالك قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "انصر آخاك ظالماً أو مظلوماً، فقال رجل: يا رسول الله صلى الله عليه وسلم نصره إذا كان مظلوماً، أفرأيت إذ كان ظالماً كيف انصره، فقال: تحجزه أو تمنعه من الظلم، فإن ذلك نصره". وهذا يشير إلى الحمية العصبية وتفوقها على المنطق والعقل. وضعف لغة المحاججة والحوار في بنيتنا الفكرية والعقلية وسلوكنا الممارس. وأن اللجوء إلى العنف كان أسرع بكثير من إعمال العقل والتفكير والمنطق. وهذا ما يجعل سلوكنا مرتبط بردود الأفعال وليس عن تفكير ومنطق وتخطيط. بل هذا نجده حتى في ممارساتنا اليومية وحتى في أدائنا السياسي بحيث يتسم سلوكنا السياسي بردود الأفعال وليس التخطيط والتروي. فيتم جرنا من العدو إلى ما يريده هو وليس ما نريده نحن. وهذا بالطبع يحتاج إلى تشخيص سليم ومعالجة في مناهجنا المدرسية والجامعية من أجل بناء بنية ثقافية تقوم على احترام العقل والمنطق وممارسة الحوار فكرا وعملا في حياتنا بأبعادها المختلفة.
ومع ذلك فإن البرنامج قد أبرز سمات أخرى للشخصية الغزية وهي الوطنية وحب الوطن. ووجدنا ذلك واضحاً في حلقة الصحفي الإسرائيلي الذي يلبس تي شيرت عليها علم إسرائيل. هذا إضافة إلى بيع التي شيرت في المحال التجاري. فقد بدا واضحاً الرفض المطلق لذلك لدى جميع الفئات من كبيرها لصغيرها. وهذا يتسم مع ما هو معروف من أن غزة هي حاضنة الهوية الفلسطينية الحقيقية، وأن الانتماء والولاء فيها للوطنية الفلسطينية لا تشوبه أي شائبة. وأن الشخصية الغزية التي ذاقت ويلات الاحتلال والحصار والقتل والدمار الإسرائيلي هي شخصية ذات إرادة قوية في هويتها وانتمائها. ورفضها لأي شكل من أشكال التطبيع مع الكيان الصهيوني. وقد وجدنا هذه النزعة حتى للشبان الصغار في مقتبل العمل الذين يحملون في قلوبهم هوية صافية نقية تجاه الوطن، ويحملون الغضب ضد الاحتلال. هؤلاء الشبان اليافعين الذين لم يعيشوا تحت الاحتلال ولكنهم عاشوا ويلات ثلاثة حروب مدمرة على القطاع الصامد. وهذا يشكل نفياً لمقولة رئيسة الوزراء الإسرائيلي غولدامائير " الكبار يموتون والصغار ينسون"، فبدا أن هذا الجيل قد حمل رسالة الوطن والهوية، وتجلى ذلك في مقاومة هذا الجيل ومقارعته لجنود الاحتلال في العدوان الإسرائيلي عامي 2008-2009م، وعدوان صيف 2014م حيث قارع هؤلاء الشبان جنود الاحتلال المدججين بالعتاد والسلاح والتكنولوجيا المعاصرة.
ومن السمات الأخرى الإيجابية التي برزت في حلقات البرنامج هي نصرة المصاب. وتمثل ذلك في الحلقة التي تحدثت عن إصابة مؤمن وبتر ساقه حيث سارع المارة لنصرته وتقديم العون له. وهذا قد لا يحدث في مجتمعات أخرى. فقد شاهدنا أثناء إقامتنا في جمهورية ألمانيا الاتحادية برنامجاً تلفزيونيا أراد معدوه أن يعرفوا مدى استعداد المواطنين هناك لتقديم العون للمصاب. فمثلوا دور مصاب في حادث سير. وبدءوا يحصون عدد السيارات المارة عن المصاب دون أن تتوقف فوصل العدد إلى 16 سيارة، حيث توقف سائق وركاب السيارة السابعة عشر لإغاثة المصاب. واعتبر معدوا البرنامج أن ذلك يشكل تراجع وخلل في المنظومة القيمية. وأسرد أنا حادثة حدثت أمامي. فقد كنت في محطة لقطار المترو في حركة تنقلية لي، وأثناء صعودي على الدرج الكهربائي المفضي لمخرج المحطة وقع على الدرج أحد مدمني الخمور، وأصبح رأسه أسفل وأقدامه لأعلى، والدرج الكهرباء يصعد به معكوسا، وهو يئن ويتأوه تحت ألمه وسكره، وصوت ارتطام رأسه بحافة الدرج الكهربائي أثناء حركته واضحة للعيان. ومع ذلك شاهدت العشرات يمرون من فوقه دون اهتمام، ولم يتوقف لمساعدته سوى أنا وشاب ألماني أخر. ولذلك فإن سمة إغاثة الملهوف والمصاب هي سمة هامة وموجودة بقوة في الشخصية الغزية. ومع ذلك ومما يثير الأسف في الحلقة أن سمة الاستعداد للعنف قد طغت على هذه السمة. فبعد محاولة إغاثة المصاب تم الاعتداء عليه بالضرب عندما تم اتهام من أسعفه بأنه من قام بدهسه. وربما يعود ذلك أيضا لسمة الشخصية الغزية وهي رفض الظلم. وأن الاتهام بدون دليل يشكل ظلماً كبيرا. ومن هنا جاءت ردة الفعل العنيفة من قبل البعض على المصاب. وربما كان الأولى تقدير ظرفه وحالته وإصابته الخطرة، وتحمل ردة فعله أثناء أصابته.
وأخيرا وحتى لا أطيل في مقالي فإن سمة أخرى قد برزت وعلينا التأكيد عليها وهي الأمانة وقد تجلت هذه السمة في حلقة صرف النقود واستبدالها للكفيف. حيث أبدى جميع الصرافين أمانتهم ما عدا واحدا بدا غير مبالي بالأمانة. وهذا يظهر أنه برغم الفاقة والعوز فإن إعانة الكفيف وتأدية الأمانة قد شكلت سمة محورية في الشخصية الغزية. ومع ذلك فإن التسامح والعفو في النهاية قد طبعت معظم مشاهد الحلقات وهذا شيء إيجابي يجب التنويه له
بالتأكيد إن باقي حلقات البرنامج لم تكتمل من أجل إعطاء صورة أكثر وضوحاً عن الشخصية الغزية، حيث إن هناك العديد من المفاجئات في باقي الحلقات. ولكن العنف والاستعداد للعنف كانت للأسف السمة البارزة والمشتركة ربما في جميع الحلقات. ورغم أننا لا نعرف الممثلين شخصياً وحتى لم نتصادف بهم يوماً، وإن كان أحدهم وهو ثائر كما يقول ابني هو ابن جارنا وابن مخيمنا، حيث نعرف نحن جيل الآباء وليس جيل الأبناء بحكم السن فإن على المنتج صرف علاوة بدل مخاطرة للممثلين بسبب العنف الغزي الواضح في الحلقات.