نعلم أنه كان بعد عهد رسولنا المكرّم بالرسالة الإسلامية خلافة عرفت بالخلافة الراشدة لأربعة من الخلفاء الراشدين هم: أبو بكر الصدّيق وعمر بن الخطاب وعثمان بن عفان وعلي بن أبي طالب (رضي الله عنهم أجمعين) يضيف إليهم البعض خامساً هو عمر بن عبد العزيز الأموي الذي خالف في سيرته أبناء عمومته الأموية: السفيانية والمروانية في ملكهم العاضّ باتّباع سيرة ومنهج جده من جهة أمه ليلى بنت عاصم بن عمر بن الخطاب الخليفة العادل، تقشفاً وزهداً وعدلاً والتزاماً بسنة رسول الله(صلى الله عليه وسلم) .. فهل كان ما بعد هؤلاء خلافة أم زعموها ولماذا؟ ها هو حديث الرسول (صلى الله عليه وسلم) يجيبنا عن ذلك: ففيما روى أحمد والبزّار عن النبي (صلى الله عليه وسلم ) : \\\" تكون النبوة فيكم ما شاء الله أن تكـون ثمّ يرفعها الله إذا شاء أن يرفعها ثمّ تكون خلافة على منهاج النبوة فتكون ما شاء الله أن تكون ثمّ يرفعها إذا شاء أن يرفعها ثمّ تكون مُلكاً عاضّاً فتكون ما شاء الله أن تكون ثمّ يرفعها إذا شاء أن يرفعها ، ثمّ تكـون ملكاً جبريّاً فتكون ما شاء الله أن تكون ، ثمّ يرفعها إذا شاء أن يرفعها ثمّ تكون خلافة على منهـاج النـبوة ثمّ سكت \\\" إذن فما كان في الأمة من نظام بعد الخلافة التي على منهاج النبوة أي التي عرفت بالخلافة الراشدة للأربعة المذكورين أو الخمسة، لم تكن خلافة بالمعنى المطلوب من اتّباع منهاج النبوة، بل إنّ الحديث ليخبرنا باللفظ الصريح أنها المُلك العاضّ الوراثي ثم الجبري حتى تكون خلافة على منهاج النبوة مرةً ثانية وأخيرة بدليل سكوت الرسول (صلى الله عليه وسلم) عندها، دون ذكر أيٍّ بعدها! وذلك المُلك المذكور ينتمي إلى الإسلام بلا شكّ؛ لأنّ الرسول (صلى الله عليه وسلم) لم يخرجه أو الأمة من الإسلام.. وقد حارب ملوكه وسلاطينه وغزوا باسم الإسلام؛ لتتسع الرقعة الإسلامية، فتصل حدود الهند والصين.. وتفتتح بلاد الأندلس، ويغزو الجيش الإسلامي بقيادة (مسلمة بن عبد الملك) القسطنطينية ولا يغادرها ـ إذ لم يكتب له فتحها لأسباب يوضحها التاريخ ـ حتى يبني بها مسجداً عظيماً! نعم، حاربوا وغزوا وافتتحوا وغنموا.. لكنها غنائم كان معظمها يعود لخزانة الملوك والسلاطين وحاشيتهم وجواريهم.. وإلى ذلك من صنوف لذاتهم وشهواتهم مخالفين بذلك سيرة الراشدين، عاضّين على صولجان السلطة والحكم الوراثي بالنواجذ، وإن ظهر من بينهم بين الحين والآخر الصالح الزاهد الذي يستضعفه طلاب الدنيا منهم فيزيحونه عن الحكم أو يدسون له السم كما فعلوا مع الراشد الصالح عمر بن عبد العزيز (رضي الله عنه)! فكيف بهم إذا زعموها (خلافة) ولماذا؟ وكيف تتساوى الوراثة مع الخلافة التي من صفاتها وموجباتها الشورى في اختيار الخليفة والمبايعة له بالرضا لا بالإكراه أو فرض وليّ العهد ولو كان صغيراً أو لم يكن كفءاً؟ أقول: إنما فعل أولئك الملوك ذلك وتابعهم عليه المؤرخون من ذوي المصالح معهم أو الخائفين سطوتهم، إيهاماً للرعية والبسطاء أو المغلوب على أمرهم من الناس بأنهم يسسيرون على المِحجة ولا يخرجون عن درب السلف الصالح، فيبايعوهم ويخضعوا لهم! والذي يفيدنا به الحديث النبويّ الشريف أنّ الخلافة الصحيحة الراشدة ستكون بعد كلّ ذلك؛ ليتمّ الله تعالى بها نوره، ويظهر الخليفة الذي يملأ الدنيا عدلاً بعدما ملئت جوراً.. ولا يظنّنَّ أحد أنّ تلك الخلافة المأمولة ستأتي إليه سعياً دون أن يسعى هو إليها، أو أنه سيكافأ بها على طول صبره على الحكومات الجبرية واستبدادها ، وإنما ستأتي تتويجاً للعمل الدءوب على طريق الإصلاح والجهاد المستمر من أجل التجديد والتغيير، والله المستعان.