تاريخ النشر: 2026-09-14 | 14:30
تاريخ النشر: 2026-09-14 | 14:30
لم تعد القضية الفلسطينية اليوم تقف عند السؤال التقليدي: هل نؤيد حل الدولتين أم لا؟
السؤال الأكثر إلحاحًا هو: هل بقيت هناك دولة فلسطينية يمكن أن تقوم عليها صيغة الدولتين أصلًا؟
فبعد حرب بدأت في أكتوبر/تشرين الأول 2023 ودخلت عامها الرابع، لم يعد المشهد الفلسطيني كما كان قبلها. غزة خرجت من الحرب بدمار هائل وأزمة إنسانية عميقة، بينما شهدت الضفة الغربية تصاعدًا في العمليات العسكرية وعنف المستوطنين والتهجير وتقييد الحركة. وتشير بيانات الأمم المتحدة إلى أن الضفة أصبحت أكثر تجزؤًا، مع استمرار القيود على الحركة بين غزة والضفة وداخل كل منهما.
وهنا تكمن المفارقة: العالم ما زال يتحدث عن حل الدولتين، بينما الوقائع على الأرض تتحرك في اتجاه أكثر تعقيدًا.
غزة: من سؤال الدولة إلى سؤال البقاء
في غزة، أصبح الحديث عن التسوية السياسية سابقًا لأوانه بالنسبة إلى ملايين الفلسطينيين الذين ما زالوا يعيشون آثار الحرب.
فالسؤال اليوم ليس فقط: من يحكم غزة؟
بل: من يعيد إعمارها؟ من يوفر الأمن؟ من يضمن عودة النازحين؟ من يعيد بناء المؤسسات؟ ومن يقرر مستقبل القطاع السياسي؟
حتى مع ترتيبات وقف إطلاق النار، بقيت أزمة الطاقة والخدمات والبنية التحتية حادة، واستمرت القيود والمخاطر الإنسانية.
وهذا يعني أن أي مشروع سياسي لغزة لا يمكن أن يبدأ من ترتيبات أمنية فقط، ولا من سؤال السلاح وحده، وإنما من إعادة بناء الإنسان والمجتمع والمؤسسات.
فغزة التي ستخرج من هذه الحرب لن تكون غزة التي دخلتها. هناك جيل كامل عاش سنوات من النزوح والخوف وفقدان التعليم والمنازل والأقارب، وهناك مجتمع يحتاج إلى استعادة ثقته بنفسه وبمؤسساته وبالمستقبل.
ولهذا فإن إعادة الإعمار ليست مشروعًا هندسيًا فقط، بل يجب أن تكون مشروعًا سياسيًا واجتماعيًا لبناء عقد جديد بين المجتمع والمؤسسات الفلسطينية.
الضفة الغربية: الدولة التي تتآكل جغرافيًا
أما الضفة الغربية، فالمشكلة مختلفة في شكلها لكنها متصلة في جوهرها.
التوسع الاستيطاني، عنف المستوطنين، مصادرة الأراضي، القيود على الحركة، والتهجير التدريجي لبعض التجمعات، كلها عوامل تجعل فكرة الدولة الفلسطينية المتصلة جغرافيًا أكثر صعوبة.
وتظهر تقارير الأمم المتحدة خلال 2026 ارتفاعًا في عمليات التهجير المرتبطة بهجمات المستوطنين، فيما شهدت بعض التجمعات الفلسطينية نزوحًا كاملًا أو جزئيًا.
وهنا يصبح السؤال أكثر خطورة:
إذا كانت غزة مدمرة، والضفة مجزأة، فمن أين ستنشأ الدولة الفلسطينية؟
لا يمكن أن تكون الدولة مجرد إعلان سياسي أو اعتراف دبلوماسي إذا لم تكن لها أرض متصلة، ومؤسسات قادرة، وسيادة فعلية، وقدرة على الحركة والاقتصاد وإدارة الموارد.
لكن هل مات حل الدولتين؟
ليس بهذه السرعة.
ربما يكون الخطأ هو التعامل مع حل الدولتين باعتباره مشروعًا جاهزًا، أو باعتباره الخيار الوحيد الذي لا يحتاج إلى إعادة تعريف.
فحل الدولتين ما زال يحظى بدعم دولي واسع، كما أن بعض استطلاعات الرأي الفلسطينية الحديثة لا تظهر اختفاء الفكرة من الوعي الفلسطيني؛ بل أظهر مسح حديث أجرته شبكة الباروميتر العربي دعمًا لحل الدولتين بنسبة 59%، مع 64% في غزة و56% في الضفة.
لكن هذا الدعم لا يعني بالضرورة أن الفلسطينيين يثقون بعملية السلام التقليدية.
وهنا يجب التمييز بين أمرين:
الإيمان بإمكانية الحل السياسي، والإيمان بجدوى مسار المفاوضات الذي جُرّب لعقود.
كثير من الفلسطينيين قد يقبلون بفكرة الدولة والحل السياسي، لكنهم لا يريدون العودة إلى مفاوضات مفتوحة بلا سقف زمني، ولا إلى عملية سياسية تُدار بينما تتغير الوقائع على الأرض.
الأزمة ليست فلسطينية فقط
من السهل تحميل الفلسطينيين وحدهم مسؤولية فشل التسوية بسبب الانقسام بين غزة والضفة.
لكن اختزال الأزمة في الانقسام الفلسطيني سيكون خطأ سياسيًا.
نعم، الانقسام أضعف المشروع الوطني، وأنتج نظامًا سياسيًا مجزأً، وأضعف قدرة الفلسطينيين على إنتاج استراتيجية موحدة.
لكن في المقابل، هناك واقع إسرائيلي يتحرك باتجاهات أكثر يمينية، مع استمرار الاستيطان وظهور دعوات سياسية إسرائيلية لإبقاء السيطرة العسكرية على أجزاء من غزة أو دفع الفلسطينيين إلى الهجرة. وفي سبتمبر/أيلول 2026، عادت دعوات من شخصيات يمينية إسرائيلية إلى طرح فكرة «الهجرة الطوعية» لسكان غزة بصورة أكثر وضوحًا.
لذلك فإن مستقبل القضية لا يتوقف فقط على قدرة الفلسطينيين على ترتيب بيتهم الداخلي، وإنما أيضًا على قدرة المجتمع الدولي على وضع حدود سياسية وقانونية أمام استمرار الاحتلال والاستيطان وسياسات التهجير.
إعادة بناء النظام السياسي الفلسطيني
ربما تكون هذه هي الحلقة المفقودة في النقاش كله.
فلا يمكن أن نتحدث عن دولة فلسطينية من دون أن نتحدث عن النظام السياسي الفلسطيني الذي سيدير هذه الدولة.
بعد الحرب، لم يعد مقبولًا أن تعود الحياة السياسية الفلسطينية إلى ما كانت عليه قبل الحرب وكأن شيئًا لم يحدث.
نحن بحاجة إلى:
إعادة بناء الشرعية السياسية عبر الانتخابات.
توحيد المؤسسات الفلسطينية على أساس قانوني وديمقراطي.
إنهاء الانقسام دون إقصاء سياسي.
إعادة تفعيل منظمة التحرير وتطوير تمثيلها.
إعطاء الشباب والنساء والمجتمع المدني دورًا حقيقيًا.
بناء مؤسسات قادرة على إدارة الإعمار والموارد بشفافية.
الفصل بين وظائف السلطة والحزب والتنظيم.
إخضاع السلطة السياسية للمساءلة الشعبية والقانونية.
فالدولة لا تُبنى فقط من خلال الاعتراف الدولي، وإنما تبدأ من مجتمع يشعر أن مؤسساته تمثله وتحمي حقوقه وتخضع للمساءلة.
غزة والضفة ليستا ملفين منفصلين
أخطر ما يمكن فعله بعد الحرب هو التعامل مع غزة كقضية إنسانية منفصلة عن الضفة، أو التعامل مع الضفة باعتبارها قضية سياسية منفصلة عن غزة.
غزة والضفة يجب أن تكونا جزءًا من وحدة سياسية وجغرافية ومؤسسية واحدة.
إعادة إعمار غزة يجب ألا تتحول إلى إدارة دولية دائمة للقطاع، كما أن إعادة ترتيب السلطة في غزة لا يجب أن تعني تكريس الانفصال عن الضفة.
وفي المقابل، لا يمكن أن تكون إعادة إعمار غزة مجرد عملية لإعادة بناء المباني، بينما تستمر في الضفة سياسات تؤدي إلى تفريغ الأرض من سكانها.
ما بعد الحرب يحتاج إلى عقد سياسي جديد
الحرب الطويلة لم تدمر البيوت فقط؛ لقد دمرت أيضًا جزءًا كبيرًا من الثقة.
الثقة بين المواطن والمؤسسة، وبين المواطن والفصيل، وبين المجتمع والنظام السياسي، وحتى الثقة في قدرة المجتمع الدولي على حماية القانون الدولي.
ولهذا فإن المرحلة القادمة تحتاج إلى ما هو أبعد من «عملية سلام».
نحتاج إلى عملية سياسية جديدة تقوم على ثلاثة مستويات مترابطة:
أولًا: وقف الحرب وحماية الإنسان.
ثانيًا: إعادة بناء غزة والضفة والمؤسسات الفلسطينية.
ثالثًا: إطلاق مسار سياسي جدي يفضي إلى حل قائم على الحقوق والسيادة والحرية.
الخلاصة
بعد حرب دخلت عامها الرابع، لم يعد السؤال الحقيقي:
هل ما زال الفلسطينيون يؤمنون بحل الدولتين؟
بل:
هل يستطيع المجتمع الدولي أن يجعل حل الدولتين ممكنًا على الأرض، لا أن يبقيه ممكنًا في البيانات فقط؟
وإذا كان حل الدولتين لا يزال هو الإطار السياسي المطروح، فإن إنقاذه يتطلب تغييرًا جوهريًا في طريقة التعامل معه.
لا يمكن بناء دولة فلسطينية من دون أرض.
ولا يمكن حماية الأرض من دون إنهاء الاحتلال والاستيطان.
ولا يمكن بناء الدولة من دون نظام سياسي فلسطيني شرعي وموحد.
ولا يمكن بناء السلام من دون حقوق وأمن وكرامة للطرفين.
الفلسطينيون لا يحتاجون إلى وعد جديد بالسلام بقدر ما يحتاجون إلى طريق واقعي نحو الحرية والدولة والكرامة.
وربما تكون هذه هي المهمة الأصعب بعد الحرب:
ليس فقط إعادة إعمار ما دمرته الحرب، وإنما إعادة بناء السياسة نفسها، بحيث يصبح السلام نتيجة لتغيير الواقع، لا مجرد اسم آخر لتأجيله