لا احد يعرف بماذا يفكر محمد دحلان، وكل ما عرف هو ما تداولته الفضائيات او موقعه الشخصي على الفيس بوك،وربما ما عرف عن هذا الرجل قربه من ياسر عرفات والاهتمام به، وتنبؤات عرفات التي لا تخيب في الغالب بان لهذا الرجل من الطاقات والذكاء والدهاء والدبلوماسية ما يؤهله لان يكون رقما مهما في المعادلة الوطنية القادمة كشاب يمتلك كل السمات، ولذلك كان قريبا لعرفات منذ اواخر الثمانينات من القرن الماضي، ولذلك تسلم ملفات هامة منذ الانتفاضة الاولى.
في اعتقادي بان خلاف محمد دحلان مع عرفات في مرحلة ما لايعيب هذا الرجل ، ولان الجميع في مهمة وطنية تحتمل الصواب وتحتمل الخطأ، وعرفات كان يعشق من يختلف معه على قاعدة الالتزام والانضباط، ولان الوطن اكبر من الاشياء والمكونات المادية والاشخاص، ولذلك بقي دحلان مقربا لعرفات حتى انفاسه الاخيرة.
هناك من اختلفوا مع عرفات كحقد دفين وانتظار ان تنهك قواه للانقضاض على هذا الاسد الذي كان يرعبهم منذ عقود يبتسمون له صباحا ونهارا ويمكرون ليلا، وعرفات لم يكن من الجهل ليعرف من هو الصادق ومن هو الكاذب، بل عرفهم فردا فردا.ولكن ليس كل ما كان يعرفه عرفات كان بامكانه ان يضع له حلولا وقرارات لاعتبارات اقليمية وغير اقليمية تستدعي الصمت او التأجيل، او المرونة، او الترحيل، فكان هم عرفات كما قال”” ان يعبر بهم المرحلة” ولكنهم هم الذين عبروا بنهجهم وتامرهم وحقدهم وتطلعهم للاستيلاء على القرار الحركي والوطني، فكان لعرفات اهم خياراته في تواجده في المقاطعة لاعتبارات يعرفها جيدا من احتلال واعوان احتلال ومن ولاءات تخرج السلطة وفتح ووحدة الاراضي عن الهدف الذي يعمل عليه عرفات سياسيا وامنيا وثقا فة وطنية وانتماء.
محمد دحلان ومن خلال دراستي لشخصيته ليس كما وصفوه بالمتامر، بل هو انسان بسيط سلوكه الصراحة والشخصية السهلة الممتنعة، التي لاتتوفر في مكامن قوتها كالاخرين، التقيت بهذا الرجل مرتين او ثلاث لا تعدوا دقائق اقل من زمن من الساعة، ولكنني بتجربتي في هذه الثورة قد توصلت للملامح السيكولوجية لهذا الرجل الذي اصبح مثيرا للجدل بين محبيه وانصاره من جهة واعداءه من جهة اخرى.
من وجهة نظري ان دحلان لا يقيم من مرحلة لم يكن هو مقررها او صانعها او برنامج ونهج له قيادته من ما قبل اوسلو بعقد ونصف على الاقل، وهذا لا يعني ان دحلان كان مقتنعا بهذا النهج “” رزمة واحدة” بل كان له من الذكاء والفهم لديمومة الصراعات داخل فتح، بان يصبح في مرمى النيران للوبيات في داخل فتح، او يؤول مصيره النضالي الوطني كما حدث للاخرين من تحديد ممرات وتحديد خيارات، ولكنه يفهم ماذا يريد وكيف يمكن ان يحقق اهدافه الوطنية، وبالفعل نجح نسبيا في ذلك، وربما لعب مرحلة بسيوفهم ومن مربعهم، وهذا ما استفز اعداءه ومناوئيه، فاكالوا الاتهامات، لسلوك هم فاعليه من سرقات وابتزاز، ولكن عرف دحلان الداء وكان له ان اخترع الدواء.
تحدثت تقارير اقتصادية ان ما تملكة قيادة فتح في البنوك خارج وداخل الوطن 11 مليار وهي اموال منهوبه اصولها مساعدات وهبات من دول صديقة للشعب الفلسطيني، وتقارير اخرى تقول ان هناك اموال مفقودة من موازنة السلطة تقدر بمليار 350 مليون دولار، وفي ظل هذه الارقام المخيفة وما يعلن من شركات لهؤلاء تتفشى حالة البطالة والفقر لاوساط واسعة في الشعب الفلسطيني سواء في غزة والضفة او سوريا او لبنان، تلك الهموم التي حملها محمد دحلان الانسان واللاجيء، نعم دحلان يملك مالا .. من اين…؟؟ من اصدقاء للشعب الفلسطيني، وهي اوموال بوجه عام لا يحتكرها لنفسه على غرار كثير من الاسماء بدأ من الرئيس واولاده الى اعضاء مركزية وغير مركزية، فمال الله هو لله وللغلابة من الشعب الذي تنكر لهم الجميع، او من قطعت رواتبهم بتقارير امنية، او مناضلين من العاصفة وكوادر تاريخية ، حوصروا وبعدوا واقصوا تنكيلا بهم لانهم اصحاب مبدأ وبندقية وتاريخ، اتخذت اجراءات مالية وتشويه ولانهم لم يركعوا لنهج يبيع ويتاجر باخر مساماتهم الوطنية.
بماذا يفكر دحلان… سؤال من الصعب الاجابه عليه الا في حدود شخصيته التي ذكرتها في السطور اعلاه. ولكن بقدر الامكان سنحاول الاستقراء، ومن شواهد ردود الافعال من مناوئيه.دحلان فصل من اللجنة المركزية، ونجح بالاصوات في المؤتمر السادس وعندما امتشق المنصه والقى كلمته صمت الجميع ثم صفق الجميع ومشيرا في ثنايا خطابه عن المسببين الحقيقيين لانتكاسة فتح والانقسام، وفي اعقادي كما وقع دحلان في شرك اللوبي وخندقه وقعت حماس، ولا احد يستطيع ان يقول غير ذلك بشواهد المقدمات والنتائج والسيناريو السابق لللانقسام وما بعد الانقسام.
لم يكن فصل دحلان من المركزية وباوامر رئيسها المخالف للنظام، بل تبعه فصل العديد من القادة والكوادر من غزة والساحة اللبنانية والاردنية وكندا، وقطع رواتب والتلويح بفصل اخرين اذا استمروا بمناصرتهم لمحمد دحلان..!!
من تلك ردود الافعال لمناوئيه وذعرا من ان تهدد مصالحهم الذين عملوا عليها عقودا، وتخلصهم من ياسر عرفات، حاربوا هذا الرجل ، الذي لن يكون الا مخلصا لياسر عرفات وفتح وفلسطين، ذعر اصابهم عندما فتح محمد دحلان قصة صندوق الاستثمار واولاد عباس وهناك من المركزية وغير المركزية، وربما من الاسباب التي دعت للتخلص من ياسر عرفات وما يعرف عن الاحتلال باتهامه المباشر في قتل عرفات الا ان هناك من الذئاب والضباع سالت لعابهم على اموال فتح وتحالفت مع الاحتلال.
امام كل الاستفزازات واخرها في المجلس الثوري ولينهي عباس حياته السياسية بسقوط مدوي له وليس لدحلان، كان دحلان صبورا كعادته وهو الذي يمتلك ملفات خطرة ، وحرصا على المشهد العام للشعب الفلسطيني ولحركة النضال الوطني ، اختزل رده بما لا يمثل 1% من ما يمتلكه ويعني ان دحلان يفتح الملفات يعني انهيار….. وهذا ما كان يريده عباس ليكمل مشهد السقوط الذي سيصيب حتى اجيال اجيلنا القادة، وهذا ما تيقظ له دحلان.
من العار الملازم لهولاء لم يقتصر التشويه لدحلان على المستوى الفلسطيني بل كعادتهم حاولوا ان يشوهوه اقليميا وفي نزاعات داخلية بالضبط كسلوكهم تجاه حماس وتبرعهم في حصار الشعب الفلسطيني في غزة وتصوير حماس ارهابية.
في اعتقادي ان دحلان وحماس ايضا فلا غرابة من ان اقول ذلك انهم كطرفين كانوا تحت عجلة التضليل الاعلامي الامني، وما ان اشتموا رائحة التقارب لخدمة الشعب الفلسطيني في غزة المحاصرة الا وارتعدوا وهرعوا الى غزة لايقاف امواج دحلان الهادرة التي اصبحت القاعدة العريضة في غزة تنتظرها.
لا اريد هنا ان ادخل في ابعاد ودوافع اتفاق الشاطيء من محاصصة متزامنة وتدريجية، التي دحلان اثنى عليها، في سبيل تحقيق الوحدة الوطنية وانهاء الانقسام، الذي لم يخفي فيه توجهاته السياسية بوقف التفاوض ووقف التنسيق الامني والذهاب الى المؤسسات الدولية وتجديد مؤسسات منظمة التحرير بما يؤهلها لقيادة المرحلة القادمة، الا ان تلك المصالحة احد اوجهها كما يتصوروون قطع الطريق على النفوذ المتزايد والقاعدة العريضة التي تتسع المناصرة لتوجهات دحلان.
بلا شك ان السلوك المتحضر عندما يحتكم الجميع للانتخابات وهذه قناعة، ولا احد يستطيع ان يكون حجرا على احد فالانتخابات بالقطع والشعب سيقول كلمته فيما سبق وفيما هو ات، ولدحلان وبكل مقوماته الانسانية والوطنية سيكون رقما مميزا في الانتخابات القادمة ان ارادوا او ان لم يريدون… ولاننا لانعيش في مربع مغلق بعيد عن العالم، بل ان المرحلة القادمة تحتاج لشاهد وضمانات دولية واقليمية على فتح المجال امام الخيارات الحرة بعيدا عن الارهاب والبطش والاستقواء او الاقصاء،.
ولكن نستطيع ان نقول ان هناك ماهو جديد قادم على الشعب الفلسطيني،وستسقط كثير من ادوات الزيف والنرجسيات.