يقول الله تعالى :" وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا إِلَى مَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَإِلَى الرَّسُولِ قَالُوا حَسْبُنَا مَا وَجَدْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ شَيْئًا وَلَا يَهْتَدُونَ" المائدة/104
والمتتبع للشأن الديني يكتشف حالة غير مسبوقة بين المشايخ وطلبة العلم من الركون للموروث دون تكلفهم لعناء النظر في المسائل المتجددة والمستجدة .
ويعلم المهتمون بالشأن الديني أن هناك مدرستين في تاريخنا الإسلامي :
الأولى : تقدم النص مطلقا وتعتبره حاكما على العقل .
الثانية : تقدم العقل مطلقا وتجعله حاكما على النص .
سنتحدث عن المدرسة الأولى ولن نخوض في المدرسة الثانية فمنهجها بين الانحراف والبعد عن سماحة الإسلام، بل وجنحت هذه المدرسة نحو الإلحاد والغلو في تقديس العقل والإنسان وغير ذلك .
إن المبالغة في تقديس النص وإلباسه ثوبا من الكهنوتية يعد بعيدا كل البعد عن روح الإسلام الذي جاء ليرفع مكانة بالإنسان حيث جعله الله خليفة في الأرض :" وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً " البقرة/30، والارتقاء بفكره وعقله إذ جاءت آيات كثيرة بلغت تحث على التفكر والنظر والتأمل، فقال جل شأنه :" سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الْآفَاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ أَوَلَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ" فصلت/53
فما جاء الإسلام ليلغي الإنسان وفكره بل جاء ليسمو به ودعاه للتفكر والتدبر كما قال تعالى :" قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ بَدَأَ الْخَلْقَ ثُمَّ اللَّهُ يُنْشِئُ النَّشْأَةَ الْآخِرَةَ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ " العنكبوت/20
ونحن اليوم أمام خطاب ديني يريد أصحابه اجتزاءه من سياق ماضيه وإنزاله على واقعنا كما هو! وفي هذا ظلم كبير.
ومن المعلوم أن الأمة الإسلامية أمة عظيمة خرجت آلاف العلماء في كافة الميادين وخاصة في علوم الدين، ولكن ما ينبغي معرفته أن فهمهم للنصوص الشرعية تمت في سياق زمانهم ومكانهم .
فنجد الإمام الشافعي –رحمه الله- له فقه بالعراق لقب بالقديم وفقه بمصر لقب بالجديد، وهذا لم يطعن في عقيدته ودينه !
ونحن إذ ندعو لتجديد الفهم الفقهي للنصوص الشرعية من كتاب وسنة وفق القواعد والضوابط التي وضعها الرعيل الأول مع الأخذ بعين الاعتبار حال الأمة الإسلامية وواقعها .
وحتى يعلم القارئ الكريم مقصودنا من معنى التجديد الخطاب الديني :" إزالة ومحاربة ما علق بالدين من خرافات وشركيات ومبتدعات ما أنزل الله بها من سلطان، وبيان الدين الحق والمعتقد السليم. كما كان عليه رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وليس من شرط ذلك أن يخرج المجدد على المذاهب الأربعة وأقوال الفقهاء ويأتي بفقه جديد" كما ذكره الشيخ الفوزان .
ويجب أن نعترف أن ما سُمي "بالصحوة الإسلامية" أوائل السبعينات كانت ردة فعل على حالة الانحلال الأخلاقي والإلحاد مع سطوع نجم السوفيت آنذاك والهروب من تراكمات الواقع السياسي الذي أفضى لضياع فلسطين وتقسيم البلاد الإسلامية وسقوط الخلافة وامتهان كرامة المسلمين مشارق الأرض ومغاربها .
فكان نتاجها مشوها كونه مولود خداجا لتلك الفترة الزمنية، وأصبح ذلك النتاج المشوه عقيدة لدى شريحة كبيرة، بل إن مما أصاب الأمة الإسلامية في مقتل بلوغ هذه الشريحة موقع التأثير في المجتمعات وخاصة التعليم وبعض دور النشر فكانت الطامة التي أدت إلى انحراف التفكير والتقوقع حول الذات ورفض كل ماهو جديد باعتمادهم على الموروث بل وتصوير اعتقادهم أنه الدين ذاته وما سواه كفر وزندقة !
بل أنتجت تلك الصحوة المزعومة جماعات تكفير للمجتمعات وتبديع وتفسيق ولم يتوقف عند هذا الحد فلما علا ضجيج الصحوة انتشر الموت والدمار في بلاد المسلمين، وأصبح كل من يقف خارج هذا القطيع يتهم في دينه وعرضه وولاؤه.
فالحاجة إلى تجديد الخطاب الديني تزداد في حاضرنا أكثر من أي لحظة مضت، إذ أصبحت السلوكيات الخاطئة تلصق بالإسلام بل وشبهاتهم تشكك المسلمين في دينهم واعتقادهم إذ صور الإفراط دينا أو نقيضه من التفريط عبادة !
إن دعوتنا هذه لتجديد الخطاب الديني للدعاة والعلماء ليست بدعة من البدع لم يسبقنا إليها أحد فهذا نبي الله محمد صلى الله عليه وسلم قال : « إِنَّ اللَّهَ يَبْعَثُ لِهَذِهِ الأُمَّةِ عَلَى رَأْسِ كُلِّ مِائَةِ سَنَةٍ مَنْ يُجَدِّدُ لَهَا دِينَهَا » رواه أبوداود وصححه الألباني.
وروي عن ابن وضاح عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه: أنه قال: "الحمد لله الذي امتن على العباد بأن جعل في كل زمان فترة من الرسل بقايا من أهل العلم؛ يدعون من ضل إلى الهدى، ويصبرون منهم على الأذى، ويحيون بكتاب الله أهل العمى...." إلى آخر خطبته رضي الله عنه.
فالتجديد واجب ديني يقع على عاتق العلماء الذين هم ورثة الأنبياء وطلبة العلم فهو حق للأمة الإسلامية وفق الكتاب العزيز وصحيح السنة المشرفة وما جاء عن السلف الصالح عليهم الرضوان .
وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين
* أستاذ الفلسفة الإسلامية