ليس مستغرباً أنه وبعد أي أزمة تجابهها الدول ، وأثناء طرحها للحلول المتاحة والخطط اللازمة وأليات التنفيذ، ثم الشروع في التنفيذ وبعد ذلك المراجعة الدقيقة لما خُطط ونُفذ على أرض الواقع . فإن المراجعة الآنية للخطوات المُتخذة قد تُفرز بعض الشوائب أو الأخطاء في التخطيط او ألية التنفيذ .
وهذا ما ينطبق على حالنا في قطاع غزة في مسائل الإعمار بعد الإعتدائات الإسرائيلية التي تكون في كل مرة أكبر من سابقاتها في هول الكارثة والوحشية المنظمة التي ترتكبها قواته في قطاع غزة الصغير والمحاصر .
لذلك تبرز هذه الورقة أبرز معضلات وأخطاء الماضي في عملية إعادة الإعمار بعد التدمير الذي حدث للقطاع من قبل قوات جيش الإحتلال الإسرائيلي في حربي 2008-2009 و 2012 ، للوقوف عليها والإستفادة من التجارب السابقة وعدم تكرار الوقوع في مشاكل الماضي
وتتجسد عقبات الماضي في إعادة الإعمار في :
• الإنقسام الفلسطيني والذي يمثل خلل في التكوين الفلسطين بتاريخه وحاضره ، وليس فقط في فترة حرب 2008-2009 ، وتجذر هذا الإنقسام بتشكيل حكومتين متناحرتين مختلفتين في الأيديولوجية والنهج والتطبيق ، بعد احداث حزيران/يونيو 2007 . مما انعكس لاحقاً وسأسرده على ألية إنقاذ غزة وإعادة إعمارها من الدمار الذي حل بها بعد الحرب .
• من ابرز معاني الخلل كانت في حرب التصريحات بين حكومتي غزة والضفة الغربية حول من يمثل الشعب الفلسطيني في غزة في مؤتمر المانحين الذي عُقد في شرم الشيخ المصرية
بتاريخ 2-3-2009 . ولم يتوقف الأمر عند هذا الحد ، بل إستمر الخلاف حتى موعد إنعقاد المؤتمر ، حيث تم تقديم لائحتي حصر للأضرار بأرقام مختلفة و تقييم مبالغ إعادة الإعمار بمبالغ أيضاً مختلفة ، حيث تقدمت حكومة فياض بما قيمته مليار و326 مليون دولار كمبلغ لازم لإعادة إعمار قطاع غزة ، وتقدمت حكومة هنية بما قيمته ملياري و 215 مليون دولار المبالغ اللازمة لإعادة إعمار قطاع غزة. اي بزيادة 889 مليون دولار عن تقييم حكومة فياض .
وان كانت بالنهاية جهود هذا المؤتمر أفضت الى تقديم منح مالية فاقت تقدير الحكومتين مجتمعتين حول إعادة بناء الإقتصاد الفلسطيني و إعادة الإعمار ، حيث كان المبلغ النهائي خمس مليارات و 200 مليون دولار مقدمة للإقتصاد الفلسطيني وإعادة إعمار غزة ، لكن بالطبع هذه الأموال كانت مشروطة بشروط سياسية ، والتي حالت لاحقاً من وصولها وصعبت من عملية إعادة الإعمار وأبطئتها الى أن أوقفتها .
الملاحظ ايضاً ضعف الدور السياسي للدول العربية وان كانت أكبر المانحين من الأموال ، على عكس الدول الأوروبية والولايات المتحدة ، التي كانت أقل المانحين نسبياً ، لكن أكبر تأثيراً سياسياً .
• عدم تفعيل المصالحة الوطنية الفلسطينية
لقد حال وبشكل كبير عدم إنجاز مصالحة وطنية فلسطينية في تسهيل عملية إعادة الإعمار في قطاع غزة ، وذلك نتيجة لإرتباط قضية المصالحة بأثمان سياسية سوف تدفع من قبل طرفي الإنقسام غير قادرين او غير مستعدين على دفعها في تلك الأوقات .
وهنا ساهمت إسرائيل والولايات المتحدة بالإضافة للمانحين في تعقيد الأمور حين أصروا على ضرورة عدم المصالحة مع حركة حماس في غزة والتهديد بقطع التعهدات او تجميدها في أحسن الظروف .
الأمر الأخر هو رفض حركة حماس وعلى لسان المتحدث بإسمها محمد نزال في 2009 ، أي حركة إعمار في قطاع غزة لا تتم بالتوافق مع حركة حماس وحكومتها في غزة ، وهو الأمر الذي يرفضه المانحون .
بالطبع مثل هذا شرط من قبل حكومة حماس له دلالاته واهدافه السياسية وهو سحب اعتراف بالحركة وشرعنة وجود حكومتها في غزة وبالتالي فك الحصار عنها .
• محاصرة إسرائيل للقطاع ، وتحكمها في معابره بإستثناء معبر رفح
ان اكبر عقبة وقفت ومن المتوقع ان تقف في وجه عملية إعادة الإعمار في قطاع غزة هي دولة الإحتلال إسرائيل ، حيث إسرائيل لديها الرغبة في ان يبقى القطاع منشغلاً بهمومه ومشاكله لأطول فترة ممكنة . وذلك لإلهائه عن التفكير بقضاياه الأساسية والمحورية والتي تدور حول الإستقلال والحرية .
ففي التجارب السابقة لعمليات إعادة إعمار قطاع غزة ، لم تكن هناك ضمانات حقيقية وواضحة تلزم إسرائيل بعدم عرقلة عملية إعادة الإعمار من خلال الإغلاق المتكرر للمعابر تحت حجج أمنية وبالتالي منع دخول مواد البناء ، هذا بالإضافة واثناء عمل المعابر ، كانت هناك مضايقات من قبل الإسرائيليين بمنع دخول مواد البناء بحجة استخدامها في أعمال عسكرية . إضافتاً الى الإبتزازات المستمرة من خلال محاولة فرض سياسات وشورط مجحفة في مقابل السماح بدخول مواد البناء لإعادة الإعمار .
توصيات لعدم تكرار ما حدث بالماضي
قطاع غزة لم يعد يتحمل اي تدمير ، كونه لم يتعافى من ما مر به سابقاً ، وللحظة هناك الكثير من المنشأت والبيوت لم تُعمر منذ حرب 2008-2009 . لذلك
1- تجسيد الوحدة الوطنية الفلسطينية ، والإنتقال بها من مربع الأوراق والحكومة التوافقية الشكلية الى أرض الواقع والممارسة الواقعية وفق برنامج سياسي واضح يضمن معالجة كل معضلات الإنقسام الفلسطيني ، وبخط موازِ يحظى بدعم دولي .
2- الإنطلاق بخطة شاملة وواضحة متوافق عليها داخلياً ودولياً ، لإعادة إعمار ما دُمر في هذه الحرب والحروب السابقة .
3- السعي وفقاً للخطة وبأسرع وقت في جلب التمويل اللازم لإعادة إعمار قطاع غزة ، وذلك من خلال تنظيم مؤتمر للمانحين و التواصل مع الجهات والدول والمؤسسات المعنية .
4- خلق ضمانات حقيقية ودولية تُلزم إسرائيل بعدم عرقلة عملية إعادة إعمار القطاع بأي شكل من الأشكال مستقبلاً .
5- التفكير في حل سياسي نهائي كامل وشامل للقضية الفلسطينية ، كون وضع القضية الوطنية في الوقت الراهن لا يحتمل مزيداً من التضييع ، وقطاع غزة لا يحتمل مزيداً من التدمير.