تاريخ النشر: 2022-10-29 | 09:57
تاريخ النشر: 2022-10-29 | 09:57
"ساق الله أيام النقب" يسكبها في أذنك شريك لك في خيمة ما في قسم ما في معسكر ما من معتقل النقب الصحراوي، معتقل أنصار "3" كما يسميه المعتقلون، معتقل كتسعوت كما يسميه الجنود السجانون الذين يموتون غيظاً من التسمية الأولى، التسمية الصمودية التي تربط محطة النقب بمحطة الجنوب اللبناني على طريق الآلام الطويل المسمى معتقل أنصار. ثم يفتح جرحك هذا الزميل الشريك الأخ الصديق الرفيق بمبضع من أمله فيك وفي كتابتك الأدبية. "هل كتبت عن يوم الاستنفار الفلاني؟ هل كتبت عن يوم الإضراب الأول؟ هل كتبت عن ذلك الضابط وكيف طلعنا من خرجه؟ هل كتبت عن شقاوة الشبل سلامة الذي كنا نسميه الزغلول؟ هل كتبت عن البلعاوي؟ ...".
تطوي نفسك على نفسك خجلاً من أسئلته، يقرأ التقصير في عينيك وفي ملامح وجهك، يتابع حديثه استجواباً. تحاول بدء الحديث الدفاعي بـ "يا عزيزي اعذرني، إنني ..." يصفعك بأمر واضح قبل أن يمضي ويتركك "اكتب، إذا لم تكتب أنت ومن مثلك عن هذه الأيام فمن سيكتب".
تبتلع بقايا الكلمات التي بقيت معلقة في حلقك، التي جعلها ببساطته وحزمه معلقة. خروجها مؤلم، وابتلاعها مؤلم. لا يوجد عذر تنظيري يطال حزمه وسطوة لسانه المحق كل الحق، والاستجابة التي يستحقها أنصار "3" لا تسعفك بها طاقتك الإبداعية المتوفرة الآن وسط كل هذا التشتت.
تستيقظ على شوكة في خاصرتك تخزك بلطف ثم تتفتح من خشبها اليابس زهرة لونها منفرد بين الألوان، تدقق فيه، تقرأ في تفاصيله طيفاً من الرمل والدماء والخضرة المسروقة على خلفية من شفق الغروب الصحراوي اللذيذ الذي كان ينسيك للحظة أنك في معتقل صحراوي لئيم خطط له أن يكون مقبرة لكل قوي وجميل فيك، مقبرة لإنسانية الإنسان السجين وما تبقى من إنسانية لدى سجان نفذ من تحت السكين. الشفق يجعلك تسرح وتتحدث عن أيام قادمة ستأتي فيها مع أولادك أو أحفادك لتخيّموا هنا وتقول لهم انظروا ما أروع الشفق، هنا كان معسكر أنشئ ليكون مقبرة فصيّرناه رحماً يلد آلاف التوائم بعد كل مخاض.