تاريخ النشر: 2016-07-24 | 08:49
تاريخ النشر: 2016-07-24 | 08:49
كل من تابع أحداث الإنقلاب العسكري الفاشل ليلة السبت الماضي ضد النظام الحاكم في تركيا من قِبَل تنظيم الكيان الموازي التابع لجماعة "فتح الله غولن" المقيم في مزرعة بولاية بنسلفانيا الأمريكية, يعرف حق المعرفة أن هذا الإنقلاب وإن كان من أهم أهدافه الإطاحة برأس الهرم في تركيا إلا أن الهدف الأقوى كان زلزلة تركيا على كافة الأصعدة بدءاً بزعيمها الأول, مروراً بالحزب المتمترس بكليته في الحكم بالإضافة لزلزلة أحد أهم الأنظمة الإسلامية الديموقراطية في منطقة الشرق الأوسط , وانتهاء بشعب يمتلك إرادة ورغبة في إثبات خياراته رغم كل الموانع.
ولكن جاءت الرياح بما لا تشتهيه السفن ولعب القدر لعبته الشريفة لصد كل ألاعيب من تسول له نفسه (الغير سوية) بزعزعة واقع دولة محورية لها وزنها وثقلها السياسي والعسكري والإقتصادي, بل وتمتلك نسيج علاقات مؤثر وثابت لا يُستهان به إقليمياً أو دولياً.
فعلى الرغم من مشاركة عدد كبير من الضباط ذوي الرتب العالية في الإنقلاب والدعم الخارجي الخفي للإنقلابيين, وتوافر عنصر المفاجأة في الحدث إلا أنه فشل وفشل بإمتياز وذلك لأسباب متعددة أهمها: وجود مقاومة من داخل الجيش نفسه لهذا الإنقلاب والشواهد على ذلك كثيرة. أيضاً مواجهة الرئيس أردوغان لما حدث بكل شجاعة وحزم, وقراره بالتوجه إلى أسطنبول لمواجهة الأحداث بقوة وبدون تردد _ طبعاً هذا ما لم يفعله رؤساء سياسيين سبقوه ومروا بنفس الظروف وكانت ردة فعلهم الانسحاب بكل هدوء_. فقد كان بإمكان الرجل التوجه بطائرته إلى أي عاصمة يختارها ولا يغامر بحياته ولكنه آثر المواجهة وتصرف بذكاء منقطع النظير حين طلب من الشعب التركي النزول إلى الشوارع والتعبير عن مواقفهم الرافضة لمحاولة الإنقلاب وطبعاً كان لابد من تواجده بينهم على الأرض لمنحهم الثقة والدافع.
موقف المعارضة التركية وخاصة العلمانية كان مؤثراً ودافعاً بإتجاه إفشال المحاولة الإنقلابية وهذا إن دلّ على شيء فإنما يدل على التماسك والتعاضد السياسي الغير مسبوق لدولة إسلامية ديموقراطية حُقَ للتاريخ الحديث أن يزهو بها . وخير مثال على تكاتف المعارضة مع الحزب الحاكم: حزب الحركة القومية برئاسة "دولت باهتشلي" الذي اتصل زعيمه على رئيس الوزراء "علي بن يلدريم" ليلة الإنقلاب ليخبره بأنه وحزبه لن يقفوا مكتوفي الأيدي أمام أي انقلاب يمس بتركيا كما أعلن رئيس الحزب الجمهوري "كمال كلتشدار" رفضه لهذا الإنقلاب.
ولا ننس الإعلام التركي بكافة أطيافه والذي لم يؤيد الإنقلاب بل سعى جاهداً منذ لحظات الإنقلاب الأولى لنقل الأحداث أولاً بأولاً ونقل تصريحات المسؤولين والسياسيين الداعيين للخروج لمواجهة الإنقلاب, وبالتالي تم توجيه خيارات الشعب بذكاء نحو خانة واحدة موحدة همها الأول الحفاظ على تركيا وعلى خيار الشعب الديموقراطي وقد بدا جلياً للجميع كيف كان للإعلام التركي الدور الأبرز حين ظهر رجب طيب أردوغان على شاشة جوال مذيعة بقناة "سي أن أن تورك" التابعة لمجموعة "دوغان " الإعلامية المعارضة للحكومة... وأجرت معه مقابلة على الهواء مباشرة غيرت مجري الأحداث بالكلية بإتجاه مصلحة الإرادة الشعبية, وهذا لم يكن ليحدث لولا الحرية المطلقة التي منحها حزب العدالة والتنمية لكل الأطياف الصحافية, ومن يتابع الإعلام المعارض يجد صحفاً عدة تقوم بشتم الحكومة ورئيس الحكومة على الملأ دون أن تتعرض للمحاسبة, وبالأخص الصحف اليسارية مثل صحيفة "سوزجو" و "طرف".
ختاماً يبدو مما سبق أن من خطط لذلك الإنقلاب الفاشل لم يكن ملماً بمدى العشق الذي يكنه الأتراك لوطنهم, و لم يكن مدركاً لعمق الوعي السياسي لذلك الشعب الذي يضع إرادته فوق كل اعتبار... وبالتالي عاد مخططو الإنقلاب بهزيمة محققة وخسارة على كل الأصعدة , لا بل وساهموا برصد فوزاً جديداً لأردوغان وحزبه وسياسته, وفوزا آخراً مدوياً لشعب امتهن الحرية والإرادة حرفة وتوارثها جيلاً بعد جيل.