لو كان الشهيد يدرك حجم استغلاله بعد استشهاده ، لكان ، أخفى عملية استشهاده واستشهد سراً ، ولأن ،الحفل السنوي يظهر من التفاصيل ، هي ،فاضحة وفادحة ، تثير حفيظة المرء ، لما يجري من تنكيل بسيرة الراحل ، على الأخص ،ذلك العراك النفسي حول الجلوس في الصفوف الأمامية أو ، ذاك ، البكاء من أجل إلقاء خطب مملة ، وهي ، بالتأكيد خارج النص واللغة العربية ، معاً ، والذي يحير أكثر ،هو ، التقاطع بين التصفيق والخطاب ، حيث يظهر الجانبين حرارة ، كأنهما يبغضان الشهيد على تلك الدرجة التى استحقها ، وقد يظن المرء ،لبعض الوقت ،بأن الحماس المبالغ ، نابع من حيلولة المتحمس من أن يُلاقي ذات المصير ، كأن التضحية عملية انتقائية لا يعود قرارها للفرد ، وعلى هذا التصور التضليلي ، تتصرف الفئتين كأنهما من الفئات المحرومة قسراً وليس اختياراً ، لهذا ، يقومان بتعويض حرمانهم بتكثيف النشاط والانخراط ، في احياء المناسبات أو تشيع الجنازات ، تماماً ، كما الكاتب ، الذي أمضى عمراً بكتابة المواعظ ، لكن ، ما أن يفرغ من كتابة المقال حتى يلتحق بصفوف المعطلين لأي منظومة اخلاقية .
وعلى هذه المزالق يتابع المرء لذات الانساق من التناقض ، فهناك مصطلح أبدي يسمى الشجاعة ، يوجد في المقابل ، مصطلح يسمى الخوف ، وهو ذاته الخوف الذي يفضي بالموهوم إلى حركات بهلوانية ، كأنه في سرك مفتوح لا ينتهي إلا بانتهاء العمر ، وإن كان الضجيج المفتعل سنوياً ،على اختلاف مصدره ، حتى لو جاء من عائلة الشهيد ،فأن المضجوجين في نهاية الأمر يتوقف ضجيجهم عند حد خشبة المسرح المسروق ، لأن ،مهما تمهروا في خداع الناس ، لن تنضج فكرة الالتحاق والسير في نفس الطريق ،أبداً ، أو ربما الذي نضج ، بالأحرى ،فقط ،العوائد التى ينتفع منها السياسي بقدر ما ينتفع ، في جانب آخر ، ورثة الشهيد ، فكيف للجمهور أن يغفر لشر البلية ،طالما لم يمتنع عن المشاركة أو تضع المجتمعات حد لهذه المهزلة ، على الأقل ، مطالبتهم بالسير على خطى من يتباكون عليهم في كل سنة مرة ، والكف عن تحوليهم إلى أشبه بالفوانيس السحرية ،، ما على علاء الدين ، سوى حكه ، وكما يبدو أن هؤلاء باتوا مهرة بالتعامل معها ، فالاحتكاك ، كما هو ظاهر ،يحافظ على المسافة التى لا تسمح باستنفاذ الرصيد.
التنازل عن السلوك البطولي لصالح الإنسان العادي ، أمر يحافظ على أسماء الشهداء ، وطالما ، الانسان هو ، بالأصل عادي ، و سيرته تخلو من أي بطولات ، ليس من مصلحة أبناء الشهيد أو رفاقه الاستدانة منه ، لأن ، في المحصلة سيتحول إلى عبء ثقيل ويفقد المعنى الاصطلاحي للتضحية ، ولأن ، أيضاً ، للاستشهاد معنى اشتقاقي وهو مشتق من الشهادة ، أي أن الشهيد جاهر بنهجه وأعلن بقوة وجرأة عن اختيار طريقه الذي أمن به ، بالتأكيد ، لم يكن ينتظر احياء سنوية ، يقال فيها كل شيء باستثناء التعاقب على نهجه ،تماماً ،كما الليل والنهار ، وما دامت المجتمعات ابتليت بمدمنين من هذا طراز دون أن يؤثر الاقتداء بسلوكهم ، بالطبع ، ومن المؤكد ،هؤلاء مجموعات لا تؤمن لا بالراحل ولا بصنعه ، إلا أن ،ايمانهم اقتصر على الاستدانة والاتكاء ، وحيث ، يجزم الواقع ، بأن ، الشيء الوحيد الذي يستطيعون اجادته ، هو ، إضاعة الحاضر واحتلال المستقبل بكوابيس تعج بالخاملين .
والسلام