عندما وضع العالمان الفرنسيان ألفريد بينيه وتيودور سيمون مجموعة إختبارات لتحديد نسبة الذكاء مطلع القرن الماضي، إعتقدا يومها أن الذكاء حكراً على البشر حتى وإن امتلكت الكائنات الحية الأخرى قسطاً منه يبقى دون الحد الأدنى لما يملكه الانسان، ونسبة الذكاء دوماً ترتبط بالعقل البشري وقدرته الاستنباطية، ولطالما ربطنا ذكاء الطلاب بقدراتهم المتعلقة بالعلوم الرياضية، فإن كان الطفل في سنوات تعليمه الأولى يتمتع بالقدرة على حل المعادلات الرياضية إعتبرنا أنه يملك قسطاً من الذكاء قد لا يملكه غيره من الأطفال، دون الأخذ بعين الإعتبار مدى تقبل الطفل لمادة الرياضيات من حيث المبدأ.
ما يعنينا أن أدوات الحياة من حولنا باتت تتمتع بتلك الخاصية، وهو ما يعرف بالأجهزة الذكية الآخذه بالتوسع في مناحي الحياة المختلفة، والأجهزة الذكية لم تعد حكراً على الهاتف النقال والتلفاز والحاسوب وإن كانت الأكثر تداولاً، بل أن الذكاء بات مكوناً اساسياً في حياتنا، بدءاً بالبطاقة الذكية والحكومة الذكية وإنتهاءاً بالمدن الذكية، وضمن هذه الأدوات التي تهدف لتبسيط الحياة أو ما يراه البعض أنها تضفي المزيد من التعقيد عليها، لم يعد تعريف الذكاء بالشكل الذي كان عليه في السابق، الذي كان يقتصر على قدرة العقل البشري على تخزين المعلومات وإسترجاعها وإجراء عمليات حسابية معقدة، وهو ما يفعله جهاز الهاتف النقال بقدرة فائقة، بل الذكاء البشري يقوم اليوم بالأساس على قدرة الإنسان على تجيير المقدرات لخلق حياة أفضل.
بخلاف الاعتقاد الشائع أن الحكومة الذكية هي مجرد مجموعة من التطبيقات الالكترونية، تسعى من خلالها الحكومة لتقديم خدماتها للمواطن عبر شبكة الانترنت، وهو ما كان يطلق عليه "الحكومة الاكترونية"، فإن مفهوم الحكومة الذكية تمدد اليوم إلى أبعد من ذلك بكثير، حيث اقتربت أكثر إلى المواطن وتفاعلت معه عبر كم هائل من المعلومات، التي تخضع لاحقاً للتحليل واستنباط الحلول للمشاكل التي تواجه مجتمعاتها، وهي بذلك تقدم الخدمات والرفاهية لمواطنيها بطريقة أفضل وبكلفة أقل.
المهم أن هذا التطور الكبير الذي شهده العالم جرى بصمت وبدون ضجيج إعلامي، في الوقت الذي اصيب مجتمعنا بالتخمة من حجم التصريحات الإعلامية، سواء تلك التي تحمل الطابع السياسي البحت وتلك التي تتناول الشؤون الحياتية، حتى أن موعد صرف الراتب أو جزء منه تحول إلى مناسبة وطنية تتسابق أركان الحكومة فيما بينها للإعلان عنه، فيما تحتل مشكلة الكهرباء في قطاع غزة المرتبة الأولى دون منافس، ولو قدر لنا جمع ما قيل فيها لكان بمقدرونا أن ندخلها موسوعة غينيس دون عناء.
كم هي حجم المشاكل التي نعاني منها التي تناولتها مئات البيانات التبشيرية فطوت الأيام الكلمات وزادت المشاكل تعقيداً، حجم ما نطلقه من تصريحات وما نصدره من بيانات يدفعنا للإعتقاد أن مقياس الذكاء لدينا بات يرتبط بها أكثر من غيرها أو هكذا يعتقد الكثيرون، وإلى أن نؤمن بأن ذلك ليس من ضمن مقاييس الذكاء البتة سنبقى نراوح مكاننا.