لم تختلف كثيرا تركيا كدولة بعد انهيار الخلافة العثمانية اثر الحرب العالمية الاولى عن دول العالم الثالث الأن ، بل كانت بلد فقير يعتمد على الزراعة ، الى ان اتى البطل القومي مصطفى كمال اتاتورك و الذي خاض غمار الحرب العالمية الاولى و اقام الجمهورية التركية بمفهوم علماني قومي ، فقد بعث روح الوطنية في الأتراك ، و حولهم جميعا الى شعب كادح ، فارتقت تركيا في جميع المجالات ، لذلك يعتبر مصطفى كمال اتاتورك مؤسس الجمهورية التركية الحديثة .
و الأب الروحي لجميع الرؤساء الأتراك الذين اتو بعده وصولا للرئيس رجب طيب اردوغان .
ما لفت نظري ان مصطفى كمال اتاتورك ورغم اسمه الإسلامي الا انه كان ملحدا بحسب موقع ووكيبيديا ، و كانت نزعته في العمل الوطني علمانية قومية بحثة سواءا في القومية المجتمعية او العسكرية او الصناعية ، فقد فصل الدين عن الدولة تماما و قد نجح في نهضة بلاده .
تركيا اليوم برئاسة الرئيس رجب طيب اردوغان ايضا حدثت بها نهضة ولعل صورة مصطفى كمال اتاتورك معلقة بمكتب الرئيس ، غير انها استراتيجيا تغيرت ، و اصبحت تعتمد على الإسلام السياسي ، اي ابتعدت عن القومية و العلمانية و اصبحت ترعى تقريبا جميع الحركات الإسلامية ، و هذا ليس خطأ ، فمعادلة تركيا إسلامية بجانب القارة الاوروبية ، و تركيا علمانية ذات شعب مسلم صعبة الاستيعاب ، و لعل ذكاء الرئيس اردوغان يكمن في اللعب بإحترافية على هذه المعادلة التي تجمع بين الاضداد .
تركيا لم تعد متطرفة تجاه القوميات العربية و الدولة الوطنية بل اصبحت تنسج صداقة و تبادل مصالح ، و هذا حدث مع الدولة الكبرى مصر و مع المملكة السعودية ، رغم خلاف كلاهما في حركات الاسلام السياسي .
تركيا كعضو في الناتو اكبر قوة عسكرية على وجه الأرض جعلت هناك ثقل للإسلام ، و ان العالم المتحضر لا يستبعد المسلمين كليا من المشاركة و الدفاع و معادلة الردع الإسلامي ، وهو ما رغبته السعودية في اتفاقها الأخير الى جانب باكستان .
قراءتي الشخصية للمشهد عن الدور التركي ، هو ان الولايات المتحدة الأمريكية لا تتعامل مع المجتمعات العربية الاسلامية بشكل مباشر بل عبر وسيط ، بعض الدول الوسيط الخاص بها هو اسرائيل ، و البعض الأخر الوسيط هي تركيا ، بالتالي دول الخليج العربي ادركوا هذه الحقيقة متأخرا .
على كل موقف تركيا من القضية الفلسطينية هو الأقوى على الإطلاق ، و الموقف الشخصي للرئيس اردوغان مدعاة للفخر ، ان دولة اسلامية عضوة في الناتو تعادي إسرائيل ووجودها علننا ، مما يجعلها قبلة محتملة للأحرار في الشرق .
زيارة الرئيس عباس الى تركيا شكلت صدمة عميقة لإسرائيل ، فبعد ان اتخذ عباس الاسرائيليين كشركاء وطن ونسق امنيا معهم بصدق نية انتقل فجآة الى المحور المعادي تماما لإسرائيل ، و هي تركيا ، هذه الصدمة لدى اسرائيل ستجعل من الاوضاع تنفجر قريبا جدا في الضفة الغربية ، لاسيما بعد اعتداءات المستوطنين المتواصلة وبناء المستوطنات .
في نهاية المقال اود ان اؤكد على روح التعاون بين الامة العربية الاسلامية و تركيا الإسلامية ، و هذا التعاون في حد ذاته سيعبر بدولنا العربية الى افاق جديدة أرحب و اوسع من ماضي الدول العربية منذ الحرب العالمية الثانية .