لا يمكن فهم السلوك الإقليمي للنظام الحاكم في إيران بمعزل عن أزماته الداخلية المتفاقمة. فكلما ازدادت الضغوط الاقتصادية، وتصاعدت الخلافات بين أجنحة السلطة، واتسعت دائرة الاحتجاجات الشعبية، ازداد الميل إلى تصدير الأزمة نحو الخارج، باعتبار ذلك وسيلة لإعادة ترتيب الأولويات، وتعبئة القاعدة المؤيدة، وإبعاد الأنظار عن الانهيار الذي يعيشه الداخل.
ولهذا لم يعد التصعيد في الخليج العربي أو العراق أو سوريا أو اليمن مجرد امتداد لسياسة خارجية تقليدية، بل أصبح جزءاً من معادلة البقاء. فالسلطة تحاول إقناع الرأي العام بأن الخطر الحقيقي يأتي من الخارج، وأن الظروف الاستثنائية تفرض تأجيل المطالب الاقتصادية والاجتماعية، بينما تستمر الأجهزة الأمنية في إحكام قبضتها على المجتمع.
غير أن التجربة أثبتت أن هذه السياسة لم تعد تحقق النتائج التي كانت تحققها في الماضي. فدول المنطقة لم تعد تنظر إلى نشاط الميليشيات التابعة للنظام باعتباره شأناً داخلياً، بل باتت تعتبره تهديداً مباشراً لأمنها الوطني ومصالحها الاقتصادية. كما أن المجتمع الدولي أصبح أكثر إدراكاً للعلاقة الوثيقة بين تدخلات النظام الخارجية وسياساته القمعية في الداخل، إذ إن الجهتين تُداران من المؤسسة نفسها وتُموَّلان من الموارد نفسها.
وفي الداخل الإيراني، يدفع المواطن الثمن مرتين؛ مرة عندما تُهدر ثروات البلاد في مشاريع عسكرية وأمنية خارج الحدود، ومرة أخرى عندما يُطلب منه تحمل نتائج التضخم والبطالة وانهيار الخدمات العامة. وهكذا تتحول المغامرات الخارجية إلى عبء يومي ينعكس على حياة ملايين الإيرانيين الذين يواجهون أوضاعاً معيشية تزداد صعوبة عاماً بعد عام.
لكن المفارقة أن النظام، وهو يسعى إلى تصدير أزماته، يستورد في المقابل مزيداً من الضغوط. فكل خطوة تصعيدية تؤدي إلى عقوبات إضافية، وعزلة أوسع، وتراجع أكبر في الاستثمار والاقتصاد، بما يعمّق الأزمة التي حاول أصلاً الهروب منها. إنها دائرة مغلقة؛ تبدأ بالتصعيد وتنتهي بمزيد من الضعف الداخلي.
ومن هنا فإن الرهان على استمرار سياسة "إدارة الأزمات عبر تصديرها" يبدو أقل واقعية من أي وقت مضى. فالمنطقة تغيرت، وتوازنات القوى تغيرت، كما أن المجتمع الإيراني نفسه لم يعد يقبل أن تُربط معيشته بمغامرات خارجية لا تعود عليه بأي منفعة.
وفي هذا السياق، تؤكد المقاومة الإيرانية أن الأمن والاستقرار في المنطقة لا يمكن أن يتحققا ما دام هذا النظام قائماً بسياساته الحالية. وقد شددت السيدة مريم رجوي مراراً على أن السلام الدائم يبدأ باحترام إرادة الشعب الإيراني وحقه في تقرير مصيره، وأن البديل الديمقراطي القائم على فصل الدين عن الدولة وحسن الجوار وعدم التدخل في شؤون الآخرين هو الضمان الحقيقي لاستقرار إيران والمنطقة.
إن ما تشهده المنطقة اليوم ليس تعبيراً عن قوة النظام، بل عن مأزقه. فحين يصبح إشعال الأزمات الخارجية الوسيلة الوحيدة لتأجيل الانفجار الداخلي، فإن ذلك يعني أن المشكلة لم تعد في حدود السياسة، بل في طبيعة النظام نفسه. ولهذا فإن إنهاء دوامة الحروب والأزمات لن يتحقق بتفاهمات مؤقتة أو تهدئة مرحلية، وإنما بإفساح المجال أمام الشعب الإيراني ليختار مستقبله بعيداً عن حكم ولاية الفقيه.