تاريخ النشر: 2016-01-24 | 12:56
تاريخ النشر: 2016-01-24 | 12:56
قد يبدو ، أمر القضاء اللبناني غريب بعض الشيء ، لكن ، عندما يتمعن المرء بشكل معمق يجد أن هناك تطابق ، بين أنظمة ذات طابع طائفي أو أقلوي والنظام الإسرائيلي ، بالطبع ، القائم على أرض فلسطين ، وقد تكون الأحكام التى تصدر بين حين وآخر من المحاكم الإسرائيلية ، دالة على هذا التطابق ، فالقاضي الإسرائيلي عندما يبرئ المجرم من جريمته التى ارتكبها بحق الفلسطيني ، يتجرد من العدالة التى تكفل بحملها ويتحول إلى مجرم متواري خلف القضاء ،وهذا ، حاصل بالفعل في جغرافيات تتحكم فيها أقليات مذهبية أو عرقية ، وعلى وجه الخصوص ، لبنان والعراق ، فقصة ميشال سماحة لا تختلف ببعدها عن محكمة صدام وكلهما بعمقهما لا يختلفان عن أي حكم أصدره قاضي إسرائيلي ،بالرغم أن جميعهم يعلو في خطابهم الخشبي ، نبرة الديمقراطية والمساواة كشرط ومطلب أساسي في التغيير .
مسألة سماحة ، ليست مجرد اغتيال أو قتل ،بل ، تصل في حقيقتها إلى خيانة عظمى ،إلا أن الدول الكبرى لا ترى في تفجيرات سماحة التى زرعها بين المدنيين أو تلك التى كان ينوي تفخيخها سوى غلطة يمكن تصحيحها أو تجاهلها ، هي في حقيقة أمرها ، لا تختلف في أدبياتها ، أبداً ، عن تلك التى تقوم بها جماعات مسلحة تُصنف دولياً بالإرهاب ، وعلى الأخص داعش أو مليشيات الحشد الشيعي ، بل هي في واقعها أخطر ، لأنها تحمل في طياتها زيف وتضليل ، على الأقل ، داعش وغيرها ، تُسمي الأشياء بأسمائها ، أما فلسفة سماحة وآخرين أمثاله ، ينتهجون فكراً متطرفاً تحت غطاء الخطاب الحديث ، يعتقدون تماماً ، كما يعتقد الإسرائيلي في فلسطين ،وأيضاً ،الإيراني في العراق والأسد في سوريا ، بأن قتل من يختلف معهم ، واجب عقائدي مئة بالمائة ، بالرغم أنهم يتوارون خلف الوطنية والمقاومة أو الدفاع عن الديمقراطية الفريدة في المنطقة ، وهذا يفسر على الأقل ، أمرين ، لأبناء المنطقة ، الأول ، حجم القتل لأهل السنة ، الحاصل في العراق وسوريا ،معاً ، وما يجري من تطهير عرقي ومناطقي على الهوية ، بالطبع ، يتقاطع مشروع الأقليات مع مشروع عتيق ، قائم بين الأميركيين والإسرائيليين ، أمام ، صمت يخيم على الموقف الغربي ،وبالتالي ، موافقته الضمنية على تفتيت وتشتيت الأغلبية السنية العربية ، على الأخص ، من بين جميع المكونات ، ليس سوى اعتلال في الجسد الأوروبي الذي يُظهر عمق التبعية .
سقطت المنطقة في دائرة التقسيم الجديد ، حيث ، يكشف الواقع عن حقائق لا يمكن تجاهلها ، أبداً ،فكما قبلت الأغلبية في فلسطين ، بالجزء الأصغر من الأرض ، لصالح الأقلية الإسرائيلية ، ستقبل الأغلبية العراقية ، بمخطط تقسيم البلد ، رغم أنفها ، لأن باختصار ، استمدت منذ البداية وتستمد قوتها ووجودها من الدعم الأمريكي الإسرائيلي ، في المقابل ، سيقبل النظام الأسدي ، بدولة الساحل ، لأنه فى المنظور القريب ، سيقف عند حفت الانهيار الكامل ، خصوصاً ، أن التدخل الروسي ، وهي الورقة الأخيرة ، لم يجلب الحسم ، فالمسألة ،إن ثقافة المظلومية التى تتبناها إيران ، والتي استطاعت عبر العقود الأخيرة ، نشرها وترويجها بين جماعات شيعية ، فقيرة مهمشة ، في كل من البلدان العربية والإفريقية والأسيوية ، استطاعت الجمهورية الايرانية ،من هذا الباب ، تنصيب نفسها كمرجع والراعي لهذه المجموعات ، ففي العراق وسوريا وبسبب الفراغ السياسي والأمني ، انقضت بقضها وقضيضها على مفاصل الحكم ، الذي سمح لها أن تغيير الوضع الديموغرافي والثقافي ، ويتطابق هذا الفعل مع فعل قامت به اسرائيل في فلسطين ، حيث ، غيرت تغيرات جذرية ، سميت بالتهويد ، يقابله في كل من العراق وسوريا وأقل شئناً في لبنان ، بالتفريس ، المتواري خلف التشيع .
يستحق الموضوع وقفة أكثر تفصيلاً وتعميقاً ، حيث ، لا يتيحها مقام هذا المقال ، لكنني سأشير الي أهمها سريعاً ، لماذا ، قامت الدنيا ولم تقعد عندما أعدمت السعودية الشيخ نمر ، في وقت يُقتل في كل يوم الآلاف من السنة في العراق وسوريا ، لماذا تتعاطف اسرائيل ويتعاطف الغرب مع أقليات بلاد الشام ، مثل اليزيديين في سنجار والتركمان في آمرلي والأكراد في أربيل ، فيما ، تسحق الأكثرية في فلسطين والعراق وسوريا ، فالتعصب الإسرائيلي والغربي للأقلية ليس سوى عقيدة راسخة رسوخ الجبال ، خذ عندك ، دفعت الحكومة الفرنسية ، رغم الأزمة الاقتصادية الخانقة 25 مليون يورو للأقليّات المضطهدة في الشرق الأوسط ، طبعاً ، الولايات المتحدة الأمريكية تمول على الدوام هذا الأقليات ، بالمال والعتاد والدعم الإعلامي وأيضاً ،بالأفكار ، وفي جانب آخر ، تقود روسيا الاتحادية معركة تحت اسم محاربة الإرهاب السني ، طيب من حق السائل أن يسأل ، أين أنتم ، من إرهاب عتيق ، ترشح خبث رائحته في بقاع الأراضي العربية ،حيث ، يحصد أرواح الناس بالملايين ، إذاً ،هو ليس سوى نفاق يؤدي بالضرورة إلى إخلاء ميشال سماحة بختم وشعار الأرز وجميع من شاركوا بقتل عرب السنة بأختام طائفية وعرقية مختلفة ، لكنها ، قد صدرَ قرارها من الأقلية المتحكمة بالعالم ، حيث ، تفسر الحقائق على الأقل ، في هذه المرحلة ، إن المسألة ليست ، فقط ، تغاضي عن اغتيال الحريري أو إعدام صدام أو سرقة فلسطين من أهلها ، بل ، ما يجري فعلاً ، هو حشد أقليات الإقليم وأقليات تتحكم بموارد العالم ، ليس الهدف منه ، كما يقال أو يعتقد الكثير لمحاربة الإرهاب السني ، بل ، في حقيقة الواقع ، أن الهدف الأساسي ، هو ، استهداف العربي السني ومن ثم السني الاسلامي ، بغض النظر عن توجهاته ، ومن يظن أن الاعتدال وسيلة قادرة على تجنيبه من هذا الحشد ، فهو واهم و يغرق بالمظان الهالك ،وعليه أن يذهب إلى قبر صدام أو عرفات ويسألهما كيف كانت نهاية الاعتدال السياسي أو من الممكن ، أيضاً ، قراءة ما حذر منه بعض علماء الشيعة ، من طموح العقلية الاصطفائية الفوقية الإيرانية التى تتشابه في العمق والجذر للفوقية الإسرائيلية ، أمثال ، الراحل محمد حسين فضل الله والسيد أبو القاسم الحوئي وأيضاً ، محمد مهدي شمس الدين وأخيراً السيد محمود الحسني الصرخي .
والسلام
كاتب عربي