تاريخ النشر: 2026-01-12 | 11:32
تاريخ النشر: 2026-01-12 | 11:32
قرأت مقال د. إبراهيم أبراش حول عزمي بشارة ومحمد دحلان، وأجد نفسي مضطرًا للتعقيب، لا دفاعًا عن أشخاص، بل دفاعًا عن منهج التفكير والإنصاف السياسي في تناول القضايا الفلسطينية.
المشكلة الأساسية في المقال ليست في النقد، فالنقد حق، بل في المنطلق الذي كُتب منه، والذي بدا منحازًا سلفًا، ويُدير التحليل من خارج التجربة الفلسطينية الحيّة، لا من داخلها.
وهنا تحديدًا يصبح التحليل أداة اصطفاف، لا أداة فهم.
عزمي بشارة، كما يقدّمه المقال، ليس مجرد مثقف يختلف معنا في الرأي، بل فاعل سياسي وإعلامي يعمل ضمن أجندة واضحة ومعلنة، تتقاطع في كثير من محطاتها مع مصالح إقليمية لا تخدم المصلحة الوطنية الفلسطينية، بل توظّف القضية ضمن سرديات أكبر منها.
ومن حق أي فلسطيني أن يتساءل:
كيف لمن غادر فلسطين سياسيًا وعمليًا، ولم يعد جزءًا من كلفتها اليومية، أن يمنح نفسه موقع الحكم الأخلاقي على من بقوا في قلب الاشتباك؟
أما محمد دحلان، فمحاولة اختزال تجربته السياسية في صورة واحدة، أو تقديمه كـ “حالة شاذة” خارج السياق الوطني، هو تبسيط مخلّ للتاريخ الفلسطيني.
دحلان كان، ولا يزال، فاعلًا سياسيًا نشأ داخل حركة فتح، وتدرّج في مواقعها، وخاض تجربة السلطة والصراع الداخلي والخارجي بكل ما تحمله من تعقيد وأخطاء وصدامات.
والخلاف معه — مهما كانت طبيعته — لم يُحسم عبر مؤسسات الحركة ولا وفق أطر قانونية وتنظيمية شفافة، بل جرى التعامل معه بمنطق الإقصاء وتصفية الحسابات، وهو منطق لا يمكن الدفاع عنه وطنيًا.
ليس المطلوب تبرئة دحلان، ولا تحويله إلى رمز،
لكن المطلوب — أخلاقيًا وسياسيًا — هو الاعتراف بأن محاكمته لم تكن عادلة، وأن تغييب روايته، مقابل تضخيم روايات أخرى منسجمة مع خطاب بعينه، يُفقد النقاش مصداقيته.
ما يلفت الانتباه في مقال د. أبراش هو الميل الواضح إلى تقديس الخطاب التنظيري، وإدانة الفعل السياسي لمجرد أنه خاض الواقع واصطدم بتناقضاته.
وهذا منطق خطير، لأن القضية الفلسطينية لا تُدار من الأبراج العاجية، ولا تُحفظ بالخطب، بل بمن يشتبكون مع الأرض والناس، ويدفعون أثمان خياراتهم علنًا.
الخلاف داخل الساحة الفلسطينية مشروع، بل ضروري،
لكن تحويله إلى تصنيفات أخلاقية، وتوزيع أدوار “وطني” و”غير وطني” وفق الانسجام مع خطاب معيّن، هو إضرار مباشر بالوعي الجمعي، لا خدمة للقضية.
القضية الفلسطينية اليوم أحوج ما تكون إلى قراءات نقدية عادلة، لا إلى تحليلات مُسيّسة تُقصي هذا وتُلمّع ذاك.
فالإنصاف ليس اصطفافًا،
بل شجاعة قول الحقيقة كاملة، حتى لو خالفت المزاج السائد.