تاريخ النشر: 2026-01-18 | 11:47
تاريخ النشر: 2026-01-18 | 11:47
تمثل هذه الرؤية تحولاً جذرياً في فلسفة إدارة قطاع غزة، حيث تسعى لنقل المشهد من مربع "القضية الوطنية" المثقل بالحمولة السياسية إلى مربع "الإدارة الخدمية" البحتة. هذا النموذج يجسد ما يعرف في العلوم السياسية بـ "الحكم التقني" أو (التكنوقراط)، حيث يتم تفكيك الأبعاد السياسية للصراع وحصر العلاقة مع السكان في إطار الاحتياجات المعيشية اليومية، فيما يمكن تسميته بمقاربة "السلام الإداري".
ويقوم جوهر هذا النموذج على مبدأ "الإدارة فوق السياسة"، وهي مقاربة تعتمد على تعليق العمل السياسي مقابل تضخيم العمل الإداري والتقني. الهدف المحوري هنا هو تحويل المجتمع من كتلة "مطالبة بحقوق وطنية وسيادية" إلى مجتمع "متلقٍ لخدمات إدارية". وفي هذا السياق، يبرز المجلس الإداري المقترح كبديل للهياكل السياسية التقليدية من فصائل وسلطة، لتصبح مهمته لوجستية بحتة تشمل قطاعات الصحة، التعليم، الماء، والكهرباء، مع تجميد كامل للأيديولوجيا وتغييب للشعارات القومية لصالح التركيز على "الكفاءة" في الإدارة اليومية.
ولتحقيق هذا الاستقرار طويل المدى، تقتضي هذه الرؤية ضرورة تحييد مراكز الثقل التقليدية وإزاحة اللاعبين الذين يحملون مشاريع سياسية أو عسكرية قد تصطدم مع فكرة الإدارة المستقرة، بما في ذلك الفصائل الفلسطينية والسلطة الوطنية بوصفها تمثيلاً لكيانية مرتبطة بوعود الدولة والسيادة. وبدلاً من أن يكون الحكم الذاتي مرحلة انتقالية نحو الاستقلال، يتم في هذا الطرح "توطينه" كحالة دائمة، يقودها الفاعل "التكنوقراط" الذي لا يملك طموحاً سياسياً ولا يمثل حزباً، مما يخلق نوعاً من "العقد الاجتماعي الجديد" القائم على جودة الخدمات بدلاً من الهوية السياسية.
ورغم أن هذا النموذج قد يبدو "عملياً" لتهدئة الأوضاع في المدى القصير، إلا أنه قد يواجه عوائق بنيوية وتحديات جوهرية، لعل أبرزها مسألة الشرعية؛ فمن أين سيستمد هذا المجلس الإداري مشروعيته إذا لم يأتِ عبر توافق وطني أو صناديق الاقتراع؟ كما أن تعليق السياسة لا يعني اختفاءها، إذ قد يؤدي الفراغ السياسي والضغط المتراكم إلى انفجارات اجتماعية أو ظهور قوى غير منظمة. بالإضافة إلى ذلك، تظل معضلة التمويل قائمة، ومدى قبول الجهات المانحة لدعم جسم إداري معزول سياسياً عن السياق الوطني الفلسطيني العام.
إن ما يتم طرحه هو عملية "هندسة مجتمعية" تهدف إلى نزع الطابع السياسي عن غزة وتحويلها إلى وحدة إدارية مستقلة وظيفياً. وبينما يرى البعض في هذا الطرح طريقاً للاستقرار المعيشي بعيداً عن دوامات الحروب، يراه آخرون محاولة لتصفية الحقوق الوطنية وتحويل القضية من صراع على "حقوق شعب" إلى مجرد إدارة لـ "احتياجات سكان".