تاريخ النشر: 2020-03-02 | 16:20
تاريخ النشر: 2020-03-02 | 16:20
قبل ايام كتبنا عن دور الكيان الصهيوني في الهيمنة الاقتصادية لغزو المنطقة العربية ونهب ثرواتها ،واليوم نكتب في التطبيع الثقافي كمسار مهم جدا وسنسلط الضوء على خطورته واثره في مواجهة العدو الصهيوني في الساحات العربية والقضية الفلسطينية ،يستخدم العدو الصهيوني التطبيع الثقافي لتمرير وجوده كأنه القدر المحتوم ويجب تقبله في الاقليم العربي _واظهار الفلسطينيين معضلة التقدم والتنمية في المنطقة العربية والاسلامية _،لذلك يجب تجاوز الفلسطيني وتطبيع العلاقة مع العرب!!؟ يسوق الكيان الصهيوني نفسه للعالم العربي والاقليم بهذه الطريقة الاعلامية الخبيثة على انه تنمية وانه بالإمكان اقامة التحالفات معه لنشر الازدهار وهذا جزء من معركة التطبيع الثقافي الصهيوني مع الشعوب العربية والاسلامية ،في هذا المضمار يأتي دور حراس روح الامة واحلامها وهم المثقفون ،للدفاع عن تاريخنا وثقافتنا الوطنية ،لحماية مشروعنا.
يحضرني سؤال ما هو دور المثقف الفلسطيني؟ صاحب القضية المركزية _وهل يمكن ان يكون الحصان الذي يجر عربة التطبيع للبلاد العربية ؟_في ظل ممارسة سياسيي السلطة الفلسطينية في التطبيع واللقاءات التنسيقية مع الصهاينة ،ماذا نقول للمثقفين والمبدعين العرب ،وهم الذين جعلوا فلسطين وقضيتها رمزاً للقيم النبيلة في تاريخنا المعاصر.
نعلم مدى تعقيد الموقف المفروض سياسيا خصوصا على من يروج للحل والصفقة القائمة على اوسلوا ،انهم يقايضوا ارض الوطن التاريخية وحل مشكلة جزء من السكان على حساب حقوق ومستقبل الجزء الاخر من الشعب الفلسطيني.
يجب أن لا ينتظر المثقف لنصل نقطة اللاعودة ،ليقوم بالتذكير الدائم بالحق الفلسطيني وقول الكلمة التي هي امانة بعنق الشاعر والروائي والكاتب والرسام والمغني والسينمائي والمسرحي ،يجب ان ينتجوا ويقولوا ما يعمق نهر التاريخ الوطني ،احفروا في اذهان أولادنا ما يؤكد مثلنا الشعبي (ما ضاع حق وراؤه مطالب) انها فلسطين وقلبها القدس عروس عروبتكم.
لنا في عدونا مثلا حيث يتناول الصهاينة مصطلح ارض الميعاد واسرائيل الكبرى رغم انها خرافة ،فلماذا لا ننطلق نحن اصحاب الحق بأن فلسطين التاريخية عربية اسلامية ،والاولى بمثقفينا دفاعهم عن القضية الفلسطينية والامة ،ويلفظوا كل مصطلحات التطبيع والتفريط ويهتموا بجيل النشء والمستقبل ،لا تبرروا ما يجري سياسيا واثبتوا على المصطلحات الوطنية دون مهادنة ،ونحن نعلم أن بداخل كل مثقف سياسي بسبب الاحتلال ولا يجوز الانسحاب من المعركة الوجودية تحت شعار (الهرب بالطهرانية الوطنية) والاكتفاء بالرفض والقول لا.
إذا كانت الظروف والمعادلات السياسية وموازين القوى الراهنة لا تسمح بترجمة ما نقول فهذا يعني مسؤولية الثقافي اكثر للتذكر بعروبة فلسطين واسلامية الاقصى ،وانحراف حكامنا السياسيين وليستخدم المثقف كل وسائل ابداعاته لتغيير الوضع الراهن وصناعة مستقبل تلفه الثقة الوطنية لتحقيق حلم اولادنا بالاستقلال والعودة وكنس الصهاينة من ارضنا. وحده الرفيق ايميل حبيبي ادرك مخاطر التطبيع الثقافي وادار حوارات في طشقند 1992م من خلال اجتماع لكتاب اسيا وافريقيا وفي القاهرة 1993م وتناول الحضور خطورة التطبيع الثقافي مع الكيان الصهيوني. نشير هنا لتجربة الرفيق ايميل حبيبي وزملائه داخل الخط الاخضر عام 1948م لتصديهم لمحاولة طمس الهوية العربية لأبناء الداخل ،واوضح القوميين ورفاقهم ان صراعنا مع الحركة الصهيونية هو عدوان على السيادة الاقليمية وهدفه ضرب وعرقلة مشروع الامة الحضاري وسيطال الثروة والثقافة والرسالة الحضارية لنا كمسلمين وعرب وسيكون من خلفهم مطامع الغرب الاستعماري.
لا يجوز للمثقف ان يقرأ قول ايهود براك (صراعنا مع العرب والمسلمين صراع وجود لا حدود وانطلق هذا الصراع سنة 1882م تاريخ انشاء اول مستوطنة صهيونية في فلسطين وهذا الصراع معقد جدا بمختلف جوانب الواقع المعاش ،ويخترق جميع ابعاد الهوية الاسلامية والقومية والعربية ،البعد السياسي والجغرافي والحضاري والديني ايضا جزء من الصدام بين العالم الاول المتحضر المتقدم الذي ينتمي له الصهاينة والعالم الثالث المتخلف المنتمي له الدول العربية والاسلامية وهذا يعني ان وجودنا كصهاينة بالمنطقة يهدد وجود الاخرين او ينفيه) جريدة هآرتس الصهيونية ،لا يجوز السكوت من المثقفين والكتاب والاعلاميين دون رد على ما ذكر والا نكون مشاركين بالتطبيع الثقافي الصهيوني ونساعد على نشره في المنطقة العربية.
• اذا كان زعماء الصهاينة يؤكدون على البعد الديني المستند للتوراة والعقيدية الصهيونية ووعد الله المقدس لليهود على ارض فلسطين يجب على المثقفين الرد عليهم بهذه الكيفية وبالعمق الديني.
• من ينتظر من معسكر اليسار الصهيوني مفهوم الاعتدال والعلمانية والدولة المنفتحة على المساواة بين المواطنين وامكانية السلام مع الفلسطينيين والعرب ،ليقرأ قول (الصهاينة يعتبروا انفسهم فوق القرارات البشرية كلها ،لأنهم ينفذوا رغبة الرب المكتوبة بالتوراة بوجودهم على أرض فلسطين).
• الكيان الصهيوني لا يوجد له دستور حتى اللحظة ،انسجاما مع ذاته الاستعمارية وعقيدته الصهيونية التوراتية التي لا تعرف الحدود ،فكيف ننتظر منه دولة فلسطينية على حدود 1967م ؟؟! ايضا الكيان الصهيوني لم يصدر قانونا للجنسية حتى هذه اللحظة ،ليحافظ على عنصريته وفاشيته الصهيونية.
• عنصر الكيان الصهيوني عند التجنيد يحصل على نسخة من التوراة ومعها مقدمة من كبير الحاخامات عن مملكة اليهود ،وخرطة اسرائيل الكبرى التي وعدهم الله من النيل الى الفرات ،كيف نصنع السلام مع هكذا تعبئة دينية عنصرية توسعية تلغي وجود الغير؟؟ عن أي تطبيع يتحدث صاحب مشروع التفاوض من اجل سلام شامل كامل عادل!!؟
• مؤتمر التحالف من اجل السلام سنة 1996م لتعزيز مسار التطبيع الثقافي ،اعلان (كوبنهاغن) لم يتطرق لجذور الصراع العربي الصهيوني ولم يصف الكيان الصهيوني بأنه محتل ،ولم يحدد موقفه من الاستيطان ،ولم يحدد موقفه من اللاجئين ،ولم يحدد موقفه من القدس ،ولم يحدد مكان الدولة الفلسطينية المنشودة ،وما زال التطبيع الثقافي سيد الاعلام العربي والفلسطيني!!!؟ مشرفين المؤتمر(الصحفي الصهيوني هاربرت بونديك ودافيد كمحي _نائب رئيس الموساد سابقا_).
• تخصيصا لموضوع اللاجئين سأسرد كلام زعماء اليسار ومعسكر السلام الصهيوني وهو :
ان فكرة عودة اللاجئين الفلسطينيين يجب الا تراود اصحابها العرب والفلسطينيين حتى في الحلم. مثل هذه المجتمعات الاستيطانية تحتفظ بنزعة التمييز والتفوق والاختلاف ،وهي تتعامل مع المحيط باستغلال واستعلاء وهذا ما يفسر عدم تنفيذ قرارات الامم المتحدة من قبل الكيان لانهم الأفضل من كل سكان الارض دينيا ويجب ان يسودوا هذا معتقدهم التوراتي الصهيوني فكيف ننشد التطبيع الثقافي معهم ،لذلك تجدهم الاقرب للتنسيق والترتيب مع زعماء المجتمع الامريكي لأنه قام على ابادة السكان الأصليين لأمريكا (الهنود الحمر) ،والحمد لله ان محيط الصهاينة العربي والاسلامي كبير وهائل والا لتعرضنا لإبادة جماعية ،ونموذج دير ياسين حاضر ومذبحة 1956م بخانيونس حاضرة .يجب على مثقفينا البحث على عوامل افشال هذا الاستعمار الاستيطاني والتركيز على نشر هذا الوعي والا سنكون مشاركين بالتطبيع الثقافي مع الكيان.
• ندعو مثقفينا التركيز على ان الاتفاقات الموقعة مع الكيان هدفها اطالة امد الاحتلال وجاءت في اضعف حالات الشعب الفلسطيني والوضع العربي وهذا ما يفسر التركيز الحالي على تنفيذ صفقة القرن ،يجب نشر لغة الصمود والقدرة على التحمل والرهان على المستقبل لتمرير هذه المرحلة وتعرية شعار السلام الشامل الكامل العادل بسبب النزعة العنصرية عند الصهاينة.
• ندعو مثقفينا لفضح مرحلية الحل الواحد ليسهل تطبيقه وايضا فضح عزل المسارات السياسية والتأكيد ان العدو المستفيد الوحيد فقط من هذا السلوك لنهب الارض واستكمال التطبيع مع الانظمة العربية ليصل الفلسطيني للحل النهائي وقد خلقت وقائع جديدة _فلا ارض يفاوضون عليها ولا وضع عربي يسندهم_.
• يجب على زعماء القوى السياسية والمثقفين توضيح (معنى استقلالية القرار الوطني الفلسطيني) حيث تم استغلال هذا الشعار من الانظمة العربية للهروب من مسؤولياتهم القومية والوطنية تجاه القضية الفلسطينية ،ما أراده الفلسطينيين من هذا الشعار هو عدم التدخل من الانظمة بقضيتهم وقرارهم الفلسطيني.
• الحذر من التعامل مع الادوات الاعلامية الصهيونية واعادة الاعتبار للمصطلحات الوطنية الثورية بالإعلام ،حتى لا نغيب دور القوى الشعبية والسياسية العربية بمعنى العمل على اعادة تفعيل الشارع العربي والاسلامي وابراز دورهم النضالي اتجاه فلسطين ،وندعو المثقفين العرب والفلسطينيين تجاوز حالة الارباك والانقسام الحاصلة بسبب عملية السلام.
• يجب على المثقفين وعي مفهوم السلام الصهيوني ومفهوم السلام العربي الفلسطيني وكلاهما يتعارض مصلحيا ويتصادم امنيا ويختلف ثقافيا ،فالصهاينة يريدون الامن القائم على تفوقهم العسكري والتقني والنووي لاستمرار التوسع والسيطرة في الساحات العربية ،اما البعد الامني الخاص بالسلطة فالصهاينة يشترطون دولة فلسطينية منزوعة السلاح ،الا في حدود حفظ الامن والنظام لكبح تهديد الامن الصهيوني.
• المفهوم الاقتصادي للأمن الصهيوني يصب بمسار تعزيز فكرة دولة اسرائيل الكبرى من النيل الى الفرات للهيمنة ونهب الثروات العربية ،وهو نفس مفهوم الاستعمار الغربي للمنطقة ،بمعنى الغاء فكرة السوق العربية المشتركة واستغلال الايدي العاملة ورأس المال العربي ويحاول الصهاينة فرض نفسهم وسطاء للاستثمار الاجنبي (شاهدنا المؤتمرات الاقتصادية الاقليمية بالمنطقة).
• المفهوم الصهيوني للأمن الثقافي يضرب المناعة النفسية لقبول الكيان الصهيوني بالمنطقة وترويج فكرة المشاركة ،لذلك يستهدفون مفردات الخطابة السياسية والثقافية ،مثال(نتحدث عن اعادة الانتشار للجيش الصهيوني بدل من الانسحاب ،نقول وقف الاستيطان بدل ازالة الاستيطان ،نقول اسرائيل الجارة بدل العدو الصهيوني) ،الأخطر في ذلك اصبحت قياداتنا السياسية والتنظيمية تتحدث فقط عن حقوقنا في حدود الضفة الغربية وغزة متجاهلة الحق التاريخي بفلسطين وقبول زعماء الانظمة لفكرة المحرقة واخرها تأدية صلاة الغائب على الهالكين الصهاينة من مجموعة مارقة ،على المثقفين والمفكرين الابتعاد عن وظيفة انتاج خطاب الحاكم السياسي المتنفذ والبعد عن الترويج لسياسة التطبيع ويجب فضح هذه الممارسة في اوساط النخبة المثقفة وتسليط القاعدة الجماهيرية على هذا النهج لاقتلاعه من جذوره لأنه السم الزعاف ،ان انخراط عدد كبير من المثقفين في مراكز سلطوية قتلت ابداعاتهم في انتاج الادب الثوري المقاوم وان العلاقة التشابكية بين الاحتلال والسلطة اربكت هؤلاء وذابوا بمصالحهم الخاصة.
• العدو الصهيوني يعمل على تكريس الحاضر لينطلق منه ويتجاهل الماضي والتاريخ والتراث والحضارة ونستشهد بقول القائد الفرنسي كليمونصو "ان الحرب اكثر جدية من ان نتركها للعسكريين وحدهم" وهنا نجزم ان عملية السلام اخطر من ان تترك للسياسيين فقط لأنها صناعة فكرية قبل السلوك السياسي وهذا صميم عمل المثقفين والمفكرين ،ان لم نؤسس لمواجهة هذا التطبيع الثقافي نكون (مثل الجندي الذي يتردد في اطلاق النار دفاعا عن نفسه بوقت الخطر) ،ومن ممارسات العدو الصهيوني بالتطبيع الثقافي الدعوات السياحية بالمنتجعات وتبادل الزيارات بين المثقفين لتسويق نفسه بالوسط ،اشتهرت المدرسة الامريكية في حياتنا الثقافية العربية عبر الندوات وورشات عمل الطاولات المستديرة وهذا نشاط تطبيعي ينفق عليه من خلال منظمات دولية غير حكومية والخطر في هذه المدارس الفكرية تحويل المثقف لموظف بأفكار واساليب تتساوق والتطبيع ،ليس على السياسي الوطني ان يتناقض ويضيق ذرعا بالمثقف ،فاذا كان السياسي يجتهد للبحث عن صيغة اقل خسائر مقابل افضل الممكن فان المثقف هو حارس الامة ووجدانها وذاكرتها وروحها وتاريخها وثقافتها ويعمل على انارة الظلام الفكري بشفافية وهذا يحمي السياسيين من الانزلاق ،ان استيعاب السياسي لدور المثقف يخلق علاقة تكاملية ويقرب المسؤول من استشراف الاهداف الوطنية ،ولا يجوز الطلب من المثقف دعم ما يسمى بعملية السلام لان ذلك يتعارض مع المفهوم الامن القومي العربي.
• المثقف المنتمي والواعي لبيئته يعتبر احتياطي استراتيجي لثقافة الامة ،ولا يقل اهمية عن الاحتياط العسكري او المالي للدولة ،يجب حماية ارادة الامة وتعزيز الارادة الشعبية للمثقفين والمبدعين.
• اخيرا لا زالت اهدافنا عادلة وصحيحة ومحقة ،وان لم تتحقق فليس لقصور فيها انما القصور فينا نحن اصحابها ،وان اهدافنا لم تهزم بل نحن الذين هزمنا بقصور في برامجنا وخططنا واداءنا وادواتنا لعدم قدرتنا على الصمود امام خطط العدو الصهيوني ،يجب التصدي لأنماط الثقافة المسطحة وتعزيز دور التثقيف الشعبي ،ويجب تكثيف القاءات بين المثقفين والمبدعين والمؤرخين والمفكرين والاعلاميين لمأسسة العلاج والشروع به.