الأصدقاء الأعزاء متابعي أمد للإعلام .. هناك عملية نقل من مطور لآخر ما قد يؤثر على نشر الأخبار لفترة قصيرة! ...

ثلاث قصص في مواجهة النكسة

ثلاث قصص في مواجهة النكسة

تاريخ النشر: 2018-06-05 | 23:25

1-أبو شيبان

 لعل إيمانَ أبي شيبان لم يحتمل أن يرى "الاحتلال الاسرائيلي في القدس"! ويسقط عليه هذا الأمر قدراً ثقيلاً! فالأهون عليه أن يغادر هذا الواقع والقدر المحتوم ويغادر وَعْيه، لأن هذا الوعي لا يستوعب قسوة "الحقيقة" المناقضة لكل وَعْيه واحتمالاته.

وبمغادرته إلى عوالم كثيرة، فإنه يكون في حالة دفاع دائم عن إيمانه الذي تقهقر أمام ذلك الحدث الداهم الثقيل.

وبالتأكيد، فإن إيمان أبي شيبان لم يتغيّر، لكنه هُزم كشخص. فثمة مؤمنون لا يحتمل إيمانهم أن يُهزم، لأنهم يدركون أن هناك مُجبرات وفجائع وحقائق مبهظة في الحياة، لهذا يقاومونها ويرفضونها ويتألمون لذلك، وقد يُهزَمون كأشخاص، لكن إيمانهم لا يُهزم! لأنهم على يقين أن الإيمان كينونة وليس كائناً.

*                     *                   *

نشعر بندم شديد!  لكننا كنّا صغاراً لا نُدرك أن اجتماعنا ولحاقنا بأبي شيبان وصراخنا خلفه مستهزئين سيورثنا هذا الندم الممضّ!

كان رجلاً قد تجاوز السبعين، يمشي هائماً على وجهه المفزوع بلحية شائكة بيضاء، وسروال متّسخ، حافياً زائغاً، وكثيراً ما كانت روزته  تنفتح فتبدو كالعباءة على كتفيه، فتظهر شلحته المتسخة وسرواله الفضفاض المُهترئ.

وأبو شيبان كان رجلاً ولا كل الرجال.. عاقلاً.. دمثاً.. قليل الكلام.. محتشماً.. خجولاً.. ذا مروءة وكرم، لكن صبيحة اليوم الثاني من نكسة حزيران العام 1967 كانت كافية لأن يخرج أبو شيبان على غير هدى إلى الناس يسألهم عمّا جرى، فصار يمسك بقبّة هذا ويد ذاك، ويلكز هذا ويصرخ في وجه ذاك، وهو غير مُصدّق، ويكرّر جُملته الواحدة: هل هُم في القدس الآن؟ ثم يصرخ: الاحتلال في القدس.. يا باي، ويلطم على وجهه، ويبكي! فيضرب الناس كفّاً بكفّ ويقولون: لقد جُنّ أبو شيبان!

وظلّ أبو شيبان ينظر في الوجوه، ويتفحّص الخلائق الذين انغمسوا في أعمالهم صارخاً في وجوههم، يشدّ مَنْ يجده، حتى باتوا يتحاشونه، كأنهم يفرّون من سؤاله الذابح!

 كان طبيعياً أن تصدف أبا شيبان دائراً كالزوبعة في الأزقة والشوارع، يتمتم بكلامه المُبهم وخطواته السريعة التائهة، حتى غاب عن الأنظار، ولم يفطن أحد لغيابه، فقد وجدوه متكلّساً في حقل الليمون جوار البلدة  لشِدّة البرد، فظنوه مجمّداً  أو مغمياً عليه، لكن طبيب الوحدة الصحية أكد أنه ميت منذ ما يزيد على شهر، والعجيب أن جثته لم تتعفّن ولم تتغضّن، وظلت بطراوتها وأنفاسها الدافئة كأنه حيّ يرزق.

وظلّت البلدة دون سؤال! 

 2- حبشين

 "بيّارته أكبر من البحر"، كانت تقولها لنا أُمّي عندما يأتي يوم العيد، ويسلّم عليها ويعيّدها دون أن تتبدّل ملامحه الحجرية الصارمة، ويخرج مكتفياً بكاسة شاي.

ويبدو أنه ارتخى للنهاية اليائسة، فاستسلم، كمريض، لا يتغيّا الشفاء!

وربما كان يعتقد أن شَجَرهُ مروحةُ الدنيا، وأن بيّارته أغنية خضراء، ولكن الخنازير قد أخذت قالب الحلوى، ولن يرحمه غيرُ هذا الصمت والحرمان اللذين أعطياه الموازنة الدقيقة بين البقاء والفناء، مثلما أعطياه مقاربةً يظل معها شهيداً في بيت عزائه الذي لن يُغلق إلى أبد الداهرين.

*                     *                     *

 ربما يبتسم، لكنه لا يضحك ولا تُرى أسنانه! ولم يحضر عُرْساً، ولم يشارك في زفَّة أو سامر. يؤدي يومه بآلية رتيبة، ويجلس في حسبته يبيع الخضار والفاكهة، ويظل صامتاً في ذاته ومشاويره الغامضة الزائغة.

كان لقبه "حَبْشين"، ولا يدري أحدٌ ما معناه ومنْ أطلقه عليه، لكنهم ينادونه بأبي زهدي.

وأبو زهدي الذي كان يملك بحراً من بيارات يافا الممتدة حتى أراضي اللد والرّملة.. هاجر إلى بلدتنا وافتتح حسبته، وحرّم على نفسه أكل البرتقال أو شرب عصيره ما دامت البلاد تحت دياجير الاحتلال.

لكن جار أبي زهدي الذي يعرف أنه يشرب من إبريق الفخّار الموضوع على بسطة الشباك الكبير.. قد عصر كمية من البرتقال، وصبّها في الإبريق رحمةً بأبي زهدي ليتذوق فاكهته التي حرّمها على نفسه!

وكالعادة، مشى أبو زهدي إلى إبريقه، ووضعه على فمه، وكرع جرعةً، ثم ألقى بالإبريق بعيداً، فتهشّم!

نزلت جرعةُ البرتقال إلى أمعاء أبي زهدي كأنها سمٌّ زعاف، فتلوَّى، فحملوه إلى المستشفى، فضاقت أنفاسه، ولم يلبث يومين حتى مات!

3- صلاة الجماعة

أبو سَلَمة خفيف الظل، ذو غمازتين حلوتين، واثق كل الثقة من أنّ للبيت ربّاً  يحميه. فما إن يتحادث الرجال عن الشائعات التي تقول بأن اليهود سيقومون باحتلال ما تبقّى من القدس، حتى يدير ظهره لهم، ويقول جملته البيضاء في وجه كلامهم الأسود، ومفادها: إن للحَرم ربّاً يحميه! أما في يوم الخامس من حزيران في ذلك العام المشؤوم 1967، فقد هُدمت قناعة الرجل عندما سمع جنوداً يرطنون بلغة غريبة تختلط مع قعقعة السلاح وأسماء لم يعهدها؟ ففتح أبو سلمة الشباك، ونظر إلى السماء، وقال: لماذا تحرجني؟ ماذا سيقول الناس عني؟

*             *          *

بعد شهور رأى الناس أبا سلمة يذهب عند أذان المغرب، ويقف بين شواهد القبور، في مقبرة الرحمة شرق البلدة القديمة، وحده، ثم يُقيم الصلاة وحده، أيضاً، ويقف إماماً وينظر يمينه ويساره ويقول: استقيموا إلى الصلاة يرحمكم الله، استووا واعتدلوا أثابنا وأثابكم الله، ويصلّي كأنَّ وراءه مُصلّين! وكم كان استغراب مَنْ رآه يصلّي إماماً في جماعةٍ وهو وحدَه ليس إلاّ.

وتكررت صلاة أبي سلمة وإمامته في الناس غير المرئيين، وكان ذلك كل أسبوع تقريباً! وصادف أن أبا سلمة كلّما قام بصلاته تلك وقعت عملية فدائية؛ تفجير هنا وقنبلة هناك، ورصاص هنا وكمين  هناك، وراح الناس يربطون بين إمامة أبي سلمة في المقبَرة والعملية البطولية التي ستقع بعدها بساعات!! وذُهل أهل المدينة غير مصدِّقين تلك العلاقة الحقيقية والمبهمة، والرابط الذهبي بين الصلاة والجهاد!

ووصل الخبر إلى المخابرات الاحتلالية، فقامت باعتقال أبي سلمة، وأخضعته لتحقيق مكثف وشرس وطويل، غير أنها خرجت خالية الوفاض، ولم تتمكن من استخراج حرف واحد من فم أبي سلمة، فوضعته في زنزانته وحيداً مُنعزلاً .. وراحت تراقبه!

كانت المخابرات قد وضعت عدسة كاميرا تراقب أبي سلمة ليلا ًونهاراً، وتعدّ عليه أنفاسه، وتراقب صلواته ودعواته ونومه وقضاء حاجته! وأخيراً، لاحظوا أن أبا سلمة قام ووسّع المكان الضيق في زنزانته، ونفخ غبارها ومسحه بيده، ووقف في زاوية الزنزانة وكبّر وأقام الصلاة، ونظر خلفه يميناً ويساراً وقال: استقيموا إلى الصلاة يرحمنا ويرحمكم الله، استووا واعتدلوا أثابنا وأثابكم الله، وراح يُصلّي جهراً صلاة المغرب كأنّ أسراباً خلفه تؤمّن على ما يقوله من كتاب الله العظيم، وفي اليوم التالي كانت عملية فدائية قد خسفت تجمعاً لجنود الاحتلال! فأعادوا أبا سلمة إلى التحقيق، ولكن دون جدوى!

 

 

×
أخبار
تقرير: 3 سيناريوهات ترسم مستقبل المواجهة السعودية-الحوثية تصعيد ميداني واعتداءات للمستوطنين وقوات الاحتلال تطال محافظات الضفة والقدس شهيد وإصابات في خروقات إسرائيلية متواصلة بغزة وارتفاع ضحايا المباني الآيلة للسقوط شهادات ضباط إسرائيليين تكشف جرائم الذكاء الاصطناعي والنهج المتعمد لقتل مدنيي غزة مقررون أمميون: حظر 12 دولة التجارة مع المستوطنات الإسرائيلية خطوة متأخرة بالاتجاه الصحيح ميرتس: لقد انتهى عهد الصداقة الأوروبية "غير المشروطة" مع الولايات المتحدة استطلاع: 71 % من الأمريكيين لا يثقون برؤية ترامب لإنهاء حرب إيران قطر تعلن توقيع اتفاقية مع الأمم المتحدة لإدخال نحو 1.3 مليون لتر من الوقود إلى قطاع غزة استطلاع: تراجع كبير لحزب نتنياهو الليكود وآيزنكوت يتقدم ..والقوائم العربية هي الحسم صفعة أممية لأمريكا..تصويت عالمي في الجمعية العامة لصالح حضور وفد فلسطين ف.تايمز: قائد الجيش الباكستاني منير يحث إيران على كبح الحوثيين باكستان تنسحب من اللعب مع إسرائيل في أولمبياد الشطرنج  تضامناً مع الفلسطينيين ترامب: أقترب من قرار حاسم بشأن الحرب مع إيران وقضاؤنا على النظام وارد النقابة: الصحفيون المرضى والمصابون في غزة يعانون ظروفا قاسية ويحتاجون إلى إجلاء طبي للعلاج قرار إسرائيلي بحظر وصول المزارعين الفلسطينيين لحقول الزيتون المصنفة "أراضي دولة" تحليل: حرب فبراير 2026 عززت موقع إيران الإقليمي وكشفت حدود القوة الأمريكية-الإسرائيلية أمريكا تمنح مسؤولين إيرانيين تأشيرات لحضور اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة تقرير: "تحالف مكة" يجمع القدرات الدفاعية للرياض وأنقرة وإسلام آباد دون قيادة موحدة أمريكا توافق على بيع محتمل لطائرات "إف-35" إلى السعودية بقيمة 24.3 مليار دولار التحول الديموغرافي يعيد رسم خريطة الناخبين في الولايات المتحدة الأردن وفرنسا تؤكدان ضرورة اتخاذ خطوات عملية لتجسيد الدولة الفلسطينية المستقلة اشتية يدعو اليابان إلى الاعتراف بدولة فلسطين نقابة الصحفيين الفلسطينيين تجدد إدانتها لتصعيد الاحتلال حملات الاعتقال والاستهداف بحق الصحفيين قرقاش: العلاقة مع إيران علاقة ضرورية لدولة الإمارات ويدنا ممدودة..وباب المندب ممر دولي مليارديرات أميركيون يدفعون بأموالهم نحو الجمهوريين في انتخابات التجديد النصفي "اذهبوا وموتوا في بلادكم".. تصريح مثير للجدل لرئيس وزراء تايلاند عقب إغلاق مقبرة يهودية فيتو روسي صيني ضد مشروع قرار أمريكي حول تمديد عمل فريق لجنة العقوبات على إيران السعودية: حالة وفاة وإصابتان بسقوط شظايا إثر اعتراض مسيرة حوثية في الطائف نتنياهو: سنقضي على حماس ونسقط نظام إيران وحزب الله.. ولا مكان محصناً أمام عملياتنا بطلب سعودي.. الصين تحث إيران على كبح جماح الحوثيين باليمن

جميع الحقوق محفوظة لـ أمد للاعلام © 2007 - 2026

✔ تم نسخ الرابط